نعم يا صديقتي..


نعم يا صديقتي..

الأزمات‭ ‬هي‭ ‬خير‭ ‬معلم‭ ‬للإنسان،‭ ‬وسأروي‭ ‬لكم‭ ‬حادثة‭ ‬وقعت‭ ‬لي‭ ‬منذ‭ ‬عدة‭ ‬سنوات،‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬عرفني‭ ‬صهري‭ ‬الفنان‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬جاسم‭ ‬على‭ ‬ضيفة‭ ‬خليجية‭ ‬كاتبة‭ ‬ومنتجة،‭ ‬المفارقة‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬اعرف‭ ‬اسمها‭ ‬ولم‭ ‬يسبق‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬شاهدت‭ ‬عملا‭ ‬من‭ ‬أعمالها‭ ‬التي‭ ‬أحدثت‭ ‬ضجة‭ ‬كما‭ ‬أخبروني‭ ‬لاحقا،‭ ‬وذلك‭ ‬لتواجدي‭ ‬خارج‭ ‬الوطن‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬تفرغت‭ ‬خلالها‭ ‬لمتابعة‭ ‬الأعمال‭ ‬الأجنبية،‭ ‬والتي‭ ‬تفوقنا‭ ‬بمائة‭ ‬سنة‭ ‬ضوئية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬الإضاءة‭ ‬والإخراج‭ ‬والتصوير‭ ‬والمواضيع‭ ‬المبتكرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتدخل‭ ‬فيها‭ ‬رقيب‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الفنانين‭ ‬الموهوبين‭ ‬حقا‭ ‬والذين‭ ‬يتم‭ ‬اختيارهم‭ ‬بدقة‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬ألف‭ ‬خيار‭ ‬وخيار‭ ‬وليس‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حاصل‭ ‬لدينا‭ ‬‮«‬الوجود‭ ‬بالموجود‮»‬‭ ‬والخيارات‭ ‬ترف‭ ‬لا‭ ‬نملكه،‭ ‬المهم،‭ ‬دعوت‭ ‬هذه‭ ‬المٌنتجة‭ ‬إلى‭ ‬منزلي،‭ ‬لا‭ ‬أتذكر‭ ‬نوع‭ ‬المحادثة‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬بيننا‭ ‬لكنني‭ ‬أذكر‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬لطيفة‭ ‬وراغبة‭ ‬في‭ ‬التعاون‭ ‬معي،‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬كانت‭ ‬أعمالي‭ ‬تبث‭ ‬على‭ ‬تليفزيون‭ ‬قطر‭ ‬فقط،‭ ‬أي‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬أرضية‭ ‬لا‭ ‬يتابعها‭ ‬الكثيرون،‭ ‬باختصار‭ ‬كان‭ ‬اسمي‭ ‬غير‭ ‬معروف‭ ‬تماماً،‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬انتهيت‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬عمل‭ ‬جديد‭ ‬أطلقت‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬غدا‭ ‬يوم‭ ‬آخر‮»‬‭ ‬وسبق‭ ‬وأن‭ ‬سلمت‭ ‬نسخة‭ ‬منه‭ ‬لمراقبة‭ ‬الدراما‭ ‬لدينا‭ ‬ولم‭ ‬أتلق‭ ‬ردا‭ ‬بشأنه‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬لذا‭ ‬شعرت‭ ‬بأني‭ ‬حرة‭ ‬في‭ ‬التصرف‭ ‬فيه،‭ ‬سلمت‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬اللطيفة‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬وعقدنا‭ ‬اتفاقا‭ ‬شفهيا،‭ ‬أرسلت‭ ‬بموجبه‭ ‬على‭ ‬حسابي‭ ‬في‭ ‬البنك‭ ‬مبلغ‭ ‬تسعة‭ ‬عشر‭ ‬ألفا‭ ‬أو‭ ‬تسعة‭ ‬وعشرين‭ ‬ألفا،‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬الرقم‭ ‬الدقيق،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أذكره‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬رقم‭ ‬تسعة،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭..‬

بعدها‭ ‬بأيام‭ ‬تلقيت‭ ‬مخابرة‭ ‬من‭ ‬مدير‭ ‬المحطة‭ ‬آنذاك‭ ‬السيد«طلال‭ ‬العطية‮»‬‭ ‬والذي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬أفضل‭ ‬الأعمال‭ ‬الدرامية‭ ‬القطرية‭ ‬وسألني‭ ‬عن‭ ‬النص،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬بخجل‭ ‬إنني‭ ‬تصرفت‭ ‬فيه،‭ ‬رد‭ ‬بحسم‭  ‬وبما‭ ‬معناه‭ ‬‮«‬اكتبي‭ ‬غيره‭ ‬وبسرعة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬زلت‭ ‬أذكر‭ ‬الوقت‭ ‬والمكان‭ ‬الذي‭ ‬تلقيت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬المخابرة،‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬شقيقتي‭ ‬وكان‭ ‬الوقت‭ ‬عصرا،‭ ‬بعض‭ ‬الأمور‭ ‬تعلق‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬عادية‭ ‬جدا،‭ ‬لكنني‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬جلست‭ ‬على‭ ‬دكة‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭ ‬واستغرقت‭ ‬في‭ ‬التفكير،‭ ‬ثم‭ ‬عدت‭ ‬للمنزل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أودع‭ ‬أحدا‭ ‬وبدأت‭ ‬أكتب‭ ‬بشكل‭ ‬محموم،‭ ‬انقطعت‭ ‬عن‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬غضون‭ ‬تسعة‭ ‬وعشرين‭ ‬يوما‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬أنهيت‭ ‬كتابة‭ ‬مسلسل‭ ‬‮«‬حكم‭ ‬البشر‮»‬‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬الفكرة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬قبل‭ ‬تلك‭ ‬المخابرة،‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬مشقة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الشخصيات‭  ‬ولا‭ ‬في‭ ‬تسلسل‭ ‬الأحداث،‭ ‬ولم‭ ‬أشطب‭ ‬جملة‭ ‬واحدة،‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬جاهزا‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬حتى،‭  ‬ونجح‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬والحمد‭ ‬لله،‭ ‬وعادت‭ ‬المطالبة‭ ‬بعمل‭ ‬آخر،‭ ‬عندها‭ ‬تذكرت‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬سلمته‭ ‬للمنتجة‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬مر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬شيء‭ ‬بشأنه،‭ ‬أجريت‭ ‬عدة‭ ‬اتصالات‭ ‬مع‭ ‬الشركة‭ ‬ولم‭ ‬أتلق‭ ‬ردا‭ ‬مطمئنا،‭ ‬أثناء‭ ‬تلك‭ ‬المحاولات‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬شهورا،‭  ‬تلقيت‭ ‬اتصالا‭ ‬غريبا‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬خليجية‭ ‬تصدر‭ ‬من‭ ‬لندن،‭ ‬من‭ ‬محرر‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬سمعت‭ ‬باسمه،‭  ‬قال‭ ‬لي‭ ‬بأنه‭ ‬يريد‭ ‬مني‭ ‬تعليقا‭ ‬على‭ ‬حوار‭ ‬أجراه‭ ‬مع‭ ‬سكرتير‭ ‬تلك‭ ‬المنتجة‭ ‬وسيتم‭ ‬نشره‭ ‬قريبا،‭ ‬حيث‭ ‬اتهم‭ ‬الأخير‭ ‬المنتجة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انفصل‭ ‬عنها‭ ‬بأنها‭ ‬سرقت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬من‭ ‬عملي‭ ‬الموجود‭ ‬لديها‭  ‬ووضعتها‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬جديد‭ ‬سيظهر‭ ‬باسمها‭ ‬قريبا،‭ ‬وكان‭ ‬ردي‭ ‬قصيرا‭ ‬وأقسم‭ ‬بالله‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنها‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬صحيحا‭ ‬فأنا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬العمل‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬أنهيت‭ ‬المخابرة،‭ ‬وتجاهلت‭ ‬كل‭  ‬الأرقام‭ ‬الغريبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬هاتفي‭ ‬بإلحاح،‭ ‬ونسيت‭ ‬الموضوع‭ ‬برمته،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أعيد‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬تسلمته‭ ‬من‭ ‬الشركة‭ ‬التي‭ ‬ابتاعت‭ ‬النص‭ ‬ولم‭ ‬تلتزم‭ ‬بالعقد‭ ‬الذي‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬فترة‭ ‬معينة‭ ‬لتنفيذه،‭ ‬فإذا‭ ‬انقضت‭ ‬يحق‭ ‬لي‭ ‬استرداد‭ ‬النص،‭  ‬ويصبح‭ ‬العقد‭ ‬لاغياً،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬القصة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬أتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬قصة‭ ‬أصلا‭...‬

‭ ‬نشرت‭ ‬صحيفة‭ ‬ما‭ ‬خبرا‭ ‬يقول‭ ‬أن‭ ‬فلانة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أنا‭ ‬تتهم‭ ‬الكاتبة‭ ‬الفلانية‭ ‬بسرقة‭ ‬نصوصها،‭ ‬وتلقفت‭ ‬باقي‭ ‬الصحف‭ ‬الخبر‭ ‬وأضافت‭ ‬عليه‭ ‬وانقسم‭ ‬الجمهور‭ ‬المهتم‭ ‬والمتابع‭ ‬للأعمال‭ ‬الدرامية‭ ‬إلى‭ ‬قسمين،‭ ‬او‭ ‬إلى‭ ‬معسكرين،‭ ‬معسكر‭ ‬معي‭ ‬ومعسكر‭ ‬معها،‭ ‬ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬أحد‭ ‬عند‭ ‬الخبر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يستند‭ ‬على‭ ‬قول‭ ‬صدر‭ ‬مني،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬خبرا‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬لأحد،‭ ‬صورة‭ ‬متوفرة‭ ‬في‭ ‬الأرشيف‭ ‬وخبر‭ ‬ملفق‭ ‬يكفي‭ ‬ليصدق‭ ‬الناس،‭ ‬ولا‭ ‬ضرورة‭ ‬لتحري‭ ‬الدقة‭ ‬أو‭ ‬الصدق،‭  ‬يستطيع‭ ‬الكذب‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬أحدهم‭ ‬أن‭ ‬يلف‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ترتدي‭ ‬الحقيقة‭ ‬حذاءها،‭ ‬ولم‭ ‬تمر‭ ‬أسابيع‭ ‬حتى‭ ‬وقف‭ ‬شرطي‭ ‬أمام‭ ‬منزلنا‭ ‬وبيده‭ ‬استدعاء‭ ‬للمحكمة‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬قضية‭ ‬مرفوعة‭ ‬ضدي،‭ ‬من‭ ‬المضحك‭ ‬وغير‭ ‬المضحك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬متهما‭ ‬ومطلوبا‭ ‬للمثول‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬تهمة‭ ‬صريحة‭ ‬يمكنك‭ ‬التعامل‭ ‬معها،‭ ‬أو‭ ‬نفيها،‭ ‬أو‭ ‬تأكيدها،‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أشرح‭ ‬تلك‭ ‬المشاعر‭ ‬التي‭ ‬انتابتني‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭.. ‬الغضب‭.. ‬القلق‭.. ‬الاحباط‭.. ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬وقوف‭ ‬مركبة‭ ‬الشرطة‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬منزلي‭ ‬وحتى‭ ‬انتهاء‭ ‬القضية‭ ‬بتنازل‭ ‬ممن‭ ‬رفعها‭ ‬ضدي‭ ‬بدون‭ ‬مقدمات،‭ ‬وكأن‭ ‬الأمر‭ ‬لعبة،‭ ‬والتلاعب‭ ‬بأعصاب‭ ‬الناس‭ ‬ووقتهم‭ ‬وسيلة‭ ‬للهو،‭ ‬رافعين‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬الغاية‭ ‬تبرر‭ ‬الوسيلة‮»‬‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يبرر‭ ‬الغاية‭...‬

‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬أخطر‭ ‬على‭ ‬الفن‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يفعلون‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يبقوا‭ ‬تحت‭ ‬الأضواء،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬ظللت‭ ‬أكرر‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬نفسي‭ ‬هذا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أستطيع‭ ‬استيعابه،‭ ‬وكاد‭ ‬هذا‭ ‬التفكير‭ ‬يشل‭ ‬قدراتي‭ ‬ويمنعني‭ ‬من‭ ‬البدء،‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬الأمر،‭ ‬ثم‭ ‬خطر‭ ‬في‭ ‬بالي‭ ‬‮«‬توماس‭ ‬اديسون‮»‬‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬والستين‭ ‬حين‭ ‬شبت‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬مصنعه‭ ‬وأتت‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مخترعاته‭ ‬وتعبه‭ ‬وأبحاثه،‭ ‬وظن‭ ‬الجميع‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬ابنه‭ ‬بأنه‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الانهيار‭ ‬وهو‭ ‬يجر‭ ‬قدميه‭ ‬بين‭ ‬الحطام‭ ‬ويفتش‭ ‬بعينيه‭ ‬عن‭ ‬ملف‭ ‬أو‭ ‬ورقة‭ ‬لم‭ ‬تطالها‭ ‬النار،‭ ‬لكنه‭ ‬فاجأ‭ ‬الجميع‭ ‬حين‭ ‬التفت‭ ‬نحوهم‭ ‬وقال‭ ‬وهو‭ ‬يحاول‭ ‬رسم‭ ‬ابتسامة‭ ‬على‭ ‬شفتيه‭: ‬‮«‬هناك‭ ‬اكتشاف‭ ‬قيم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬كارثة،‭ ‬فلتحترق‭ ‬كل‭ ‬أخطائنا،‭ ‬والحمد‭ ‬لله‭ ‬أننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬من‭ ‬جديد‮»‬‭..‬

‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أمامي‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬أبدأ‭ ‬من‭ ‬جديد‭...‬كتبت‭ ‬العمل‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وأنا‭ ‬واثقة‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬القديم‭ ‬كان‭ ‬به‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأخطاء،‭ ‬وأن‭ ‬التجربة‭ ‬المرة‭ ‬التي‭ ‬مررت‭ ‬بها‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬صالحي‭...‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬مرت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعوام‭ ‬لم‭ ‬أكتب‭ ‬فيها‭ ‬عملا‭ ‬تليفزيونيا‭ ‬كاملاً،‭ ‬ليس‭ ‬لانعدام‭ ‬الافكار‭ ‬فهي‭ ‬كثيرة،‭ ‬وإنما‭ ‬لإحساسي‭ ‬بأن‭ ‬المشاهد‭ ‬لن‭ ‬يفتقد‭ ‬الأعمال‭ ‬الجيدة‭ ‬طالما‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬السيئة‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬على‭ ‬مشاهدتها‭ ‬واعتادها‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬لقد‭ ‬تكيفت‭ ‬مع‭ ‬نظرية‭ ‬جريشام‭ ‬‮«‬العملة‭ ‬الرديئة‭ ‬تطرد‭ ‬العملة‭ ‬الجيدة‮»‬‭ ‬تماماً،‭ ‬كما‭ ‬تقبلت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬أعمالي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أسماء‭ ‬معروفة،‭ ‬باتت‭ ‬الكتابة‭ ‬التليفزيونية‭ ‬عند‭ ‬الكثيرين‭ ‬عملا‭ ‬يوميا‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬هواية‭ ‬تستحق‭ ‬التطوير‭ ‬وتهدف‭ ‬لنشر‭ ‬الوعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مواضيع‭ ‬حية‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وبات‭ ‬المنتجون‭ ‬وأكثرهم‭ ‬دخلاء‭ ‬على‭ ‬الفن،‭ ‬تجارا‭ ‬إذا‭ ‬توخينا‭ ‬الدقة‭ ‬يتسابقون‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬أعمال‭ ‬رخيصة‭ ‬تغطي‭ ‬ساعات‭ ‬الإرسال‭ ‬وتملأ‭ ‬جيوبهم‭ ‬بالمال،‭  ‬لقد‭ ‬كتب‭ ‬أحد‭ ‬النقاد‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬أجري‭ ‬كبير‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬أستحقه،‭ ‬وكأن‭ ‬الجهد‭  ‬والمثابرة‭ ‬تهم‭  ‬تستحق‭ ‬الكشف‭ ‬عنها،‭ ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬عنها‭ ‬المرء‭ ‬أجراً‭.. ‬حسنا‭ ‬هذا‭ ‬رأيه،‭ ‬ولكن‭ ‬غاب‭ ‬عنه‭ ‬أنني‭ ‬بدأت‭ ‬من‭ ‬الصفر،‭ ‬كنت‭ ‬أقبض‭ ‬مبلغا‭ ‬زهيدا‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يٌذكر‭ ‬عن‭ ‬ثلاثين‭ ‬ساعة‭ ‬تليفزيونية‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬لم‭ ‬أقبض‭ ‬عليه‭ ‬أجرا‭ ‬أبدا‭.. ‬ولم‭ ‬أتذمر‭..‬

‭ ‬كنت‭ ‬أتعلم‭ ‬وأتبع‭ ‬الإرشادات‭ ‬والنصائح‭ ‬التي‭ ‬توجه‭ ‬بصفاء‭ ‬نية،‭ ‬وجها‭ ‬لوجه‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الكتب،‭ ‬ولعل‭ ‬أهمها‭ ‬نصيحة‭ ‬الأديب‭ ‬الروسي‭ ‬ستانسيلافسكي‭:‬‮«‬لا‭ ‬تتركوا‭ ‬فنكم‭ ‬ووسائلكم‭ ‬وتقنيتكم‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬الإبداع‭ ‬فريسة‭ ‬للنقاد‭ ‬العيًابين‭ ‬المتزمتين،‭ ‬فهم‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يدفعوا‭ ‬بالفنان‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬الجنون،‭ ‬والوصول‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الشلل‭ ‬أو‭ ‬الذهول،‭ ‬ثم‭ ‬لماذا‭ ‬نترك‭ ‬لهؤلاء‭ ‬موطئاً‭ ‬في‭ ‬أنفسنا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الآخرين‭ ‬بسبب‭ ‬لعبة‭ ‬حمقاء،‭ ‬تخلُوا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬وإلا‭ ‬فإن‭ ‬الحرص‭ ‬الزائد‭ ‬والتعسف‭ ‬في‭ ‬النقد،‭ ‬والخوف‭ ‬الشديد‭ ‬من‭ ‬الكذب،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يجعلكم‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬الإبداع‭ ‬تماماً،‭ ‬اكشفوا‭ ‬عن‭ ‬الكذب‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬يعينكم‭ ‬على‭ ‬بلوغ‭ ‬الصدق،‭ ‬ولا‭ ‬تنسوا‭ ‬أن‭ ‬الناقد‭ ‬العياب‭ ‬والمتزمت‭ ‬هو‭ ‬أقدر‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الكذب‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يوجه‭ ‬إليه‭ ‬النقد‭ ‬المتعسف‭ ‬يكف‭ ‬رغم‭ ‬إرادته‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬ويبدأ‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬اصطناع‭ ‬الصدق‭ ‬نفسه،‭ ‬وهذا‭ ‬التكلف‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬أشد‭ ‬الكذب‮»‬‭.. ‬

لقد‭ ‬اقترح‭ ‬عليّ‭ ‬أحد‭ ‬النقاد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قرأ‭ ‬نصي‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬آخر‮»‬‭ ‬أن‭ ‬أختصره‭ ‬في‭ ‬سبع‭ ‬حلقات‭ ‬أو‭ ‬عشر،‭ ‬وأكد‭ ‬لي‭ ‬بأنه‭ ‬لن‭ ‬ينجح،‭ ‬لكنني‭ ‬رفضت،‭ ‬وظل‭ ‬عمل‭ ‬‮«‬ظل‭ ‬الياسمين‭ ‬‮»‬‭ ‬مجمدا‭ ‬ومرفوضا‭ ‬تقريبا‭ ‬لأن‭ ‬أحدهم‭ ‬وكان‭ ‬يملك‭ ‬القرار‭ ‬اقترح‭ ‬بضع‭ ‬نصائح‭ ‬تحول‭ ‬العمل‭ ‬الأصلي‭ ‬لأشلاء،‭ ‬وأيضا‭ ‬رفضت،‭ ‬وظهر‭ ‬العمل‭ ‬كما‭ ‬كتبته‭ ‬وبات‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأعمال‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬في‭ ‬الدراما‭ ‬الخليجية‭.. ‬

 

لا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬نصغي‭ ‬لآراء‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬آرائنا،‭ ‬وتضفي‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬جودة‭ ‬أكبر‭...‬لا‭ ‬أبدا‭.. ‬لقد‭ ‬كسبت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬إصغائي‭ ‬للسيناريست‭ ‬الراحل‭ ‬عاصم‭ ‬توفيق،‭ ‬ومن‭ ‬بعض‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الناصحين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬أشك‭ ‬في‭ ‬صدقهم‭ ‬ونزاهتهم،‭ ‬ولكن‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نميز‭ ‬بين‭ ‬الناصح‭ ‬الأمين‭ ‬والناصح‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬دور‭ ‬المخلص‭ ‬والأمين،‭ ‬الجواب‭ ‬ببساطة‭ ‬كما‭ ‬نميز‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يُحب‭ ‬بصدق‭ ‬ومن‭ ‬يظن‭ ‬انه‭ ‬يُحب،‭ ‬من‭ ‬يفرح‭ ‬لنجاحك‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬نجاحه‭ ‬الخاص،‭ ‬من‭ ‬يسعد‭ ‬لسعادتك‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬سعادته‭ ‬هو،‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يتحين‭ ‬الفرص‭ ‬لينتقدك‭ ‬ويحبطك‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬قدرك،‭ ‬بل‭ ‬يوجهك‭ ‬برفق‭ ‬ويحترم‭ ‬قراراتك‭ ‬أيا‭ ‬كانت‭.. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الحب،‭ ‬وهذه‭ ‬صفات‭ ‬الصديق‭ ‬الناقد‭ ‬والناصح‭.. ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬على‭ ‬الأقل‭.‬