حين أكون في الخارج ويسألني أحد عن بلدي.. عن قطر؟


حين أكون في الخارج ويسألني أحد عن بلدي.. عن قطر؟

من‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والأدباء‭ ‬والحكماء‭ ‬عن‭ ‬النقد‭ ‬والنقاد‭ ‬هناك‭ ‬جملة‭ ‬واحدة‭ ‬رسخت‭ ‬في‭ ‬ذهني،‭ ‬واتخذتها‭ ‬شعارا‭ ‬وان‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬متأخر‭ ‬نوعا‭ ‬ما‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬الاراء‭ ‬النقدية‭ ‬الجيدة‭ ‬فعليك‭ ‬ان‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬كتابة‭ ‬اي‭ ‬شيء‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬للكاتب‭ ‬الاميركي‭ ‬‮«‬ارسكين‭ ‬كالدويل‮»‬‭.‬

‭ ‬وأضيف‭ ‬على‭ ‬الجملة‭ ‬السابقة‭ ‬‮«‬وأن‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مختلفا‭ ‬او‭ ‬مميزا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬شيء‮»‬‭.. ‬‭ ‬لقد‭ ‬بدأت‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة،‭ ‬كتبت‭ ‬الشعر‭ ‬والقصة‭ ‬والمقالة،‭ ‬واجريت‭ ‬حوارات‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬الفنانين‭ ‬والادباء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬وانا‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الاعدادية،‭ ‬ولعل‭ ‬صغر‭ ‬سني‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاسماء‭ ‬الشهيرة‭ ‬إلى‭ ‬لقائي،‭ ‬وتخصيص‭ ‬وقت‭  ‬للرد‭ ‬على‭ ‬اسئلة‭ ‬واستفسارات‭ ‬ذهبت‭ ‬بها‭ ‬إليهم،‭ ‬وقطعا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اسئلة‭ ‬ذكية‭ ‬وانما‭ ‬كمعظم‭ ‬الاسئلة‭ ‬المعتادة‭ ‬التي‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬العمق‭ ‬والتي‭ ‬توجه‭ ‬للمشاهير‭-‬لونك‭ ‬المفضل‭- ‬موقف‭ ‬محرج‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬هواياتك؟‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تم‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬الصحفية‭ ‬في‭ ‬المجلات‭ ‬المحلية‭ ‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬الاشعار‭ ‬الركيكة‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬اكتبها،‭ ‬ويكتبها‭ ‬غيري،‭ ‬والسبب‭ ‬بسيط،‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بتشجيع‭ ‬المواهب‭ ‬الشابة،‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المطبوعات‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬ومستمرة‭ ‬لمواد‭ ‬تغطي‭ ‬بها‭ ‬الصفحات‭ ‬الفارغة،‭ ‬كما‭ ‬انها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تدفع‭ ‬اجورا‭ ‬لنا،‭ ‬وبصراحة‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نستحق‭ ‬أجرا‭ ‬،‭ ‬يكفينا‭ ‬ان‭ ‬تنشر‭ ‬لنا‭ ‬تلك‭ ‬المجلات‭ ‬وان‭ ‬تظهر‭ ‬اسماؤنا‭ ‬على‭ ‬الملأ،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬ان‭ ‬نستمر‭ ‬ونتعلم‭ ‬ونتطور‭..‬هذا‭ ‬لمن‭ ‬يرغب‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬الاستمرار‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬اشتركت‭ ‬في‭ ‬مسابقة‭ ‬للقصة‭ ‬القصيرة‭ ‬وكانت‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬ليلى‮»‬‭ ‬وفازت‭ ‬بالمرتبة‭ ‬الاولى،‭ ‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬حظي‭ ‬ان‭ ‬الاديب‭ ‬الراحل‭ ‬‮«‬رجاء‭ ‬النقاش‮»‬‭ ‬وكان‭ ‬يومها‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬لمجلة‭ ‬الدوحة‭ ‬تبنى‭ ‬كل‭ ‬كتاباتي،‭ ‬ونشر‭ ‬لي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬بعد‭ ‬ليلى،‭ ‬بل‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬يهتم‭ ‬وهو‭ ‬الاديب‭ ‬الكبير‭ ‬بالاتصال‭ ‬بي‭ ‬انا‭ ‬الفتاة‭ ‬المغمورة‭ ‬لطلب‭ ‬قصة‭ ‬جديدة،‭ ‬اهتمامه‭ ‬كان‭ ‬دافعا‭ ‬لي‭ ‬لكي‭ ‬اكتب‭ ‬واكتب،‭ ‬وحين‭ ‬ترك‭ ‬المجلة‭ ‬او‭ ‬بالاحرى‭ ‬كاد‭ ‬له‭ ‬البعض‭ ‬واجبره‭ ‬على‭ ‬الرحيل‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬كتابة‭ ‬القصص،‭ ‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬احتل‭ ‬فيها‭ ‬المراتب‭ ‬الاولى‭ ‬في‭ ‬المسابقات‭ ‬وهي‭ ‬بالمناسبة‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬متتالية‭ ‬أية‭ ‬كلمة‭ ‬ثناء‭ ‬او‭ ‬تشجيع‭ ‬من‭ ‬سواه،‭ ‬ممن‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المجال،‭ ‬ثم‭ ‬اخبرني‭ ‬احد‭ ‬الاصدقاء‭ ‬ان‭ ‬أمير‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬‮«‬يوسف‭ ‬إدريس‮»‬‭ ‬ذكر‭ ‬اسمي‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬اذاعي‭ ‬واشاد‭ ‬بي،‭ ‬اسعدني‭ ‬مديحه‭ ‬جدا‭  ‬جدا‭ ‬،‭ ‬ان‭ ‬كلمة‭ ‬اطراء‭ ‬واحدة‭ ‬صادقة‭ ‬ومن‭ ‬القلب‭ ‬تكفي‭ ‬كي‭ ‬يعيش‭ ‬عليها‭ ‬الانسان‭ ‬لعدة‭ ‬سنوات‭ ‬مثلما‭ ‬قال‭ ‬‮«‬مارك‭ ‬توين‮»‬‭ ‬ولن‭ ‬انسى‭ ‬ما‭ ‬حييت‭ ‬الفنان‭ ‬الكويتي‭ ‬علي‭ ‬المفيدي‭ ‬‮«‬رحمه‭ ‬الله‮»‬،‭ ‬كان‭ ‬يردد‭ ‬وهو‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬طاولة‭ ‬لاخرى‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الاذاعة‭ ‬والتلفزيون‭ ‬الذي‭ ‬عقد‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ان‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬آخر‮»‬‭ ‬يستحق‭ ‬الجائزة‭ ‬الاولى،‭ ‬أخبرني‭ ‬في‭ ‬لقائنا‭ ‬الاول‭ ‬بأنه‭ ‬فخور‭ ‬وسعيد‭ ‬بهذا‭ ‬العمل،‭ ‬كان‭ ‬ببساطة‭ ‬الانسان‭ ‬الطيب‭ ‬يعتبر‭ ‬نجاح‭ ‬زميل‭ ‬له‭ ‬نجاحاً‭ ‬له‭ ‬شخصيا،‭ ‬ولا‭ ‬أنكر‭ ‬مساندة‭ ‬وتشجيع‭ ‬بعض‭ ‬الاصدقاء‭ ‬والزملاء‭ ‬،‭ ‬فلولاهم‭ ‬لما‭ ‬ظهرت‭ ‬اعمالي‭ ‬للنور،‭ ‬لكن‭ ‬علاقتي‭ ‬بالنقُاد‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬طيبة‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬وما‭ ‬زلت‭ ‬اذكر‭ ‬ان‭ ‬ناقداً‭ ‬معروفا‭ ‬مع‭ ‬تحفظي‭ ‬على‭ ‬الكلمة‭ ‬الأولى‭ ‬هاجمني‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬شديد‭ ‬النبرة‭ ‬والقسوة‭ ‬لكتابة‭ ‬عمل‭ ‬تلفزيوني‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه،‭ ‬ولم‭ ‬ينبهه‭ ‬احد‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬العمل‭ ‬المذكور‭ ‬يخص‭ ‬كاتبة‭ ‬اخرى‭! ‬لم‭ ‬يشعر‭ ‬بالخجل،‭ ‬لم‭ ‬يعتذر،‭ ‬وانما‭ ‬انتظر‭ ‬شهورا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينسخ‭ ‬مقالته‭ ‬ويعيد‭ ‬نشرها،‭ ‬التغيير‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬هو‭ ‬وضع‭ ‬عنوان‭ ‬عمل‭ ‬يخصني‭ ‬فعلا،‭ ‬وصدقا‭ ‬لا‭ ‬اتوقع‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬ان‭ ‬يكال‭ ‬لي‭ ‬الثناء‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬فالثناء‭ ‬والاطراء‭ ‬المبالغ‭ ‬فيه‭ ‬له‭ ‬أضراره‭ ‬تماما‭ ‬مثل‭ ‬الهجوم‭ ‬والانتقاد‭ ‬المتواصل،‭ ‬وصدقا‭ ‬لا‭ ‬تتوقع‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬تتهمه‭ ‬بالفشل‭ ‬وتقلل‭ ‬من‭ ‬قدره‭ ‬مراراً‭ ‬وتكرارا‭ ‬حسن‭ ‬الاصغاء‭ ‬أو‭ ‬الاحترام،‭ ‬يعتقد‭ ‬معظم‭ ‬من‭ ‬امتهنوا‭ ‬مهنة‭ ‬النقد‭  ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬تحديدا‭ ‬أن‭ ‬مهمتهم‭ ‬الأساسية‭ ‬هي‭ ‬الهدم،‭ ‬وأن‭ ‬نجاحهم‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬مقدار‭ ‬القسوة‭ ‬والتجريح‭ ‬والفظاظة‭ ‬التي‭ ‬يوجهونها‭ ‬لكاتب‭ ‬ما‭! ‬لمسئول‭ ‬ما،‭ ‬او‭ ‬لدولة‭ ‬ما‭!  ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الاديب‭ ‬عباس‭ ‬محمود‭ ‬العقاد‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬مقالة‭ ‬يسخر‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬هولاء‭ ‬الذين‭ ‬يدعون‭ ‬ان‭ ‬همهم‭ ‬الأوحد‭ ‬الاصلاح‭ ‬والخير‭: ‬‮«‬يستطيع‭ ‬من‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬صفة‭ ‬الناقد‭ ‬ابداء‭ ‬ما‭ ‬يشاء‭ ‬من‭ ‬العيوب،‭ ‬ولا‭ ‬يجعله‭ ‬ذلك‭ ‬أفضل‭ ‬ولا‭ ‬أقدر‭ ‬على‭ ‬إصلاح‭ ‬العيوب‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬العمل،‭ ‬وما‭ ‬برحت‭ ‬معرفة‭ ‬العيوب‭ ‬قريبة‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬العيوب،‭ ‬ومعرفة‭ ‬الحسنات‭ ‬عسيرة‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬أصحاب‭ ‬الحسنات‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الاخرين‭ ‬لا‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬شأنك‭ ‬أبدا‭..‬

حين‭ ‬اكون‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬ويسألني‭ ‬أحد‭ ‬ما‭ ‬عن‭ ‬بلدي‭...‬عن‭ ‬قطر؟‭ ‬أتباهى‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬المدينة‭ ‬التعليمية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬أعرق‭ ‬الجامعات؛‭ ‬ولا‭ ‬مثيل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الاوسط،‭ ‬اتباهى‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬قناة‭ ‬الجزيرة‮»‬،‭ ‬ومجلة‭ ‬الدوحة،‭ ‬وبمستوى‭ ‬المعيشة‭..‬

‭ ‬أفخر‭ ‬بكل‭ ‬النجاحات‭ ‬والانجازات‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬ويحققها‭ ‬اشخاص‭ ‬من‭ ‬بلدي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات،‭ ‬وأفتخر‭ ‬بهم،‭ ‬وأستاء‭ ‬حين‭ ‬يحاول‭ ‬أحدهم‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬عطائهم،‭ ‬وأغضب‭ ‬حين‭ ‬يستهين‭ ‬أحدهم‭ ‬ببلد‭ ‬صغير‭ ‬المساحة‭ ‬حقق‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تحققه‭ ‬دول‭ ‬كبرى‭ ‬تفخر‭ ‬بعدد‭ ‬سكانها‭ ‬ومساحتها‭ ‬الجغرافية،‭ ‬الناس‭ ‬عادة‭ ‬لا‭ ‬يغفرون‭ ‬لأحد‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬الساحق‭. ‬النجاح‭ ‬يشعرهم‭ ‬بالضآلة‭... ‬بقلة‭ ‬الحيلة‭... ‬وقطعا‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والنجاح‭. ‬والقادم‭ ‬أجمل‭...‬