سميحة خريس / طريق دائري يعود بي إلى شاطئ الدوحة


سميحة خريس / طريق دائري يعود بي إلى شاطئ الدوحة

كأن طريقاً دائريا يعود بي إلى شاطئ سبحت فيه منذ زمن منسى في الدوحة، قادمة لاستلام جائزة الرواية العربية كتارا، ولكن في البال جائزة أخرى معتقة في الروح، كان ذلك عام 1969 وأنا طفلة تنهي المرحلة الابتدائية في مدرسة خديجة بنت خويلد، وتستعد مع عائلتها لمغادرة البلد التي عاشت في احضان بحرها ورملها سبعة أعوام، في ذلك العام تأسست مجلة الدوحة، ولا أتذكر اية ملابسات قادتني حينها لأعرف أن المجلة أعلنت عن مسابقة لكتابة القصة، وراحت تلك الطفلة المتهورة التي كنتها تكتب، بل وجرؤت على المشاركة في المسابقة، ولم أنل الفوز، ولكن جائزة تشجيعية أكدت لي أن قصتي مست قلوب أعضاء لجنة التحكيم في تلك المسابقة، وكانت تلك الجائزة للعجب، زجاجة عطر. لا أتذكر اسمها فقد كنت من البراءة حينها أني اسمي كل عطر العطر، ولكني اتذكر فوح الرائحة، ذلك الشذا الذي ما يزال يلازمني كلما نلت تقديراً من مكان ما، والذي عبق قوياً هذه المرة وأنا أنال كتارا.

 ليست الجوائز إلا عتبة نحو انجاز جديد، وهي عتبة عالية إذا لم نحسن التعامل معها كبت خطواتنا، وهي في كل الأحوال مشاركة في الدعم والدفع بنا إلى الأمام، من هنا يأتي اعتزازي بهذه الجائزة العربية، خاصة أنها تناولت روايتي « فستق عبيد» تلك الرواية التي تذهب بعيداً لمعالجة وجع عربي. هذه الرواية هي باكورة انتاج سلسلة تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت مسمى «سلسلة الابداع العربي، وهي رواية متعالقة مع رواية سبقتها في النشر وإن عالجت الاحداث الراهنة، ألا وهي رواية «بابنوس»، وقد يكون الاطلاع على الروايتين مجدياً لفهم عمق المأساة واستمراريتها، إلا أن القراءة المنفصلة تعطي فكرة وافية عن كل رواية على حدة. تدور احداث الرواية في دارفور وام درمان ابان الثورة المهدية، ثم يتحرك الابطال إلى الجزائر فالبرتغال إلى جزر الرأس الأخضر، امتداد جغرافي وحضاري متنوع توافق كله على قهر الانسان العربي وتعريضه لأقسى اختبارات البشرية التي ينقصها الانسانية ألا وهو الرق الذي يؤشر على خلل في منظومة الأخلاق والحضارة.. ينبش النص متعلقات الحرية وحق الانسان في العيش الكريم، ويعالج تكالب الغرب والشرق والبشر من كل لون ومذهب على الاستفراد بالإنسان المسالم، كما يفعل ذئب مع قطيع. أعرف تماماً أني أجتاز عتبة هذه الرواية «فستق عبيد» بالعنوان الأصعب، وهو تعبير شديد الوطأة في نفوس الافارقة، أدخل الرواية من حقل الفستق الذي زرعه الجد «كامونقه» حتى يشبع الأحفاد فلا تغريهم حفناته في أكف خاطفي البشر تجار الرقيق. إنه هنا حلم بالحرية، سراب يتقدم الباحثين عن عالم أكثر عدلاً. كتبت والعالم العربي مثخن بجراح الثورات والانقلابات، لتقع أحداث الرواية والعالم يدخل في حربه الكونية الثانية، هذا التعالق أفرز شخوصاً مثخنين بالجراح، لم تكن جراح العبودية وحدها المتسيدة في النص، ولكن برزت أمامي جراح الطبقات الاجتماعية وهي تخسر مكتسباتها فيتحول أفرادها إلى وحوش، أو تتغير مواقعهم فيفقدون اتزانهم ومنظومة القيم التي تشكل حياتهم أيام الاستقرار النسبي المخادع، كما ذهبت إلى تفحص الأضداد، الأسود يقابله الأبيض، الحرية تقابلها العبودية، ووسعت الرؤيا لأعرض وقوف حضارتين متناقضتين مقابل بعضهما في موقع الغالب والمغلوب. أثناء الكتابة كان السؤال يقف في الحروف، ما أهمية الذهاب إلى التاريخ والكتابة حول ظاهرة لم تعد تمارس، بينما الوضع الراهن يشتعل من حولي؟ وكانت خطى الكلمات بطيئة وهي تدافع عن نفسها بأن الرق وجه من وجوه غياب الحرية، لعله أشد الوجوه قبحاً، وإن اختلفت المسميات التي نطلقها على استعباد بعضنا البعض، أو الأزياء التي نلبسها لحياتنا، والنظم التي نسوسها لتحويل الظاهرة إلى جديدة أنصع بياضاً، إلا أننا ما زلنا نعيش الرق، مستلبين وسالبين، مضطهدين وطغاةخرجت ببطلتي في جولة تجتاز فيها البحر المتوسط وصولاً إلى الأطلسي في زمن تقع فيه الحرب العالمية الثانية، بكل ما فيها من عنف وقوة هزت أوروبا، أعيد تشكيل مراكز القوى، وتغيرت الأوضاع في البرتغال تحديداً، حيث تقضي البطلة شطراً من حياتها، لتكون نهايتها مأساوية مع الجذام والإبعاد إلى جزيرة تتشكل فيها نواة تمرد الأفريقي على العبودية. لم تكن هذه النهاية الموجعة رهاناً على غياب الأمل، رغم قسوة مصائر الشخصيات، الذي أردت من خلاله ادانة ضمير القارئ والانسان المتمتع بمدنيته الغافل عن قبح العالم، وهذه هي الصرخة التي أردت بها لطم الدعة التي نمتلكها بظننا أننا في زمان لم يعد للرق فيه شرعية قانونية، مستريحي الضمائر، متناسين آثامنا، إلا أن الحقيقة أمر مختلف. أما الأمل فلن يكون إلا باليقظة خارج دفتي الكتاب، الكتاب وجبة موجعة وصرخة مفزعة، الاستيقاظ منوط بكم، إذ أننا ورغم عدم تورطنا لن ننجو من مسائلة أخلاقية عما حدث في العالم ونحن غافلون؟

 الروائية الاردنية سميحة خريس فازت بجائزة كتارا للرواية العربية في فئة الروايات العربية المنشورة، في دورتها الثالثة، والتي أعلنت أكتوبر 2017، عن روايتها «فستق عبيد».
خريس، ومنذ مجموعتها القصصية الأولى «مع الأرض»؛ في العام 1978، لم تكف الروائية سميحة خريس عن اجتراح أشكال وتقنيات ورؤى ومضامين جديدة تطرحها في إبداعاتها، وهي التي اختارت الشكل الروائي للتعبير عن رؤيتها للعالم؛ ماضيه وحاضره، ومحاولة استشراف مستقبله.