شيخة آل ثاني* / حسناء البادية


شيخة آل ثاني*  / حسناء البادية

“يا‭ ‬عاذراً‭ ‬لامرئٍ‭ ‬قد‭ ‬هام‭ ‬في‭ ‬الحضر‭ ‬
‮                  ‬‭ ‬وعاذلاً‭ ‬لمحبّ‭ ‬البدو‭ ‬والقفر

لا‭ ‬تذممنّ‭ ‬بيوتاً‭ ‬خفّ‭ ‬محملها‭ ‬
‮                 ‬‭ ‬وتمدحنّ‭ ‬بيوت‭ ‬الطين‭ ‬والحجر

لو‭ ‬كنت‭ ‬تعلم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬البدو‭ ‬تعذرني‭ ‬
‮            ‬لكن‭ ‬جهلت‭ ‬وكم‭ ‬في‭ ‬الجهل‭ ‬من‭ ‬ضرر

ترابها‭ ‬المسك‭ ‬بل‭ ‬أنقى‭ ‬وجاد‭ ‬بها‭ ‬
‮                  ‬‭ ‬صوب‭ ‬الغمائم‭ ‬بالآصال‭ ‬والبكر”

‭ ‬أبيات‭ ‬تحضرني،‭ ‬عندما‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬أمامي،‭ ‬وأشعار‭ ‬مدح‭ ‬البادية‭ ‬والبيداء‭ ‬كثيرة‭ ‬ورائعة؛‭ ‬لأنها‭ ‬تبيع‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬محبة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الأبيات‭ ‬السابقة‭ ‬للأمير‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الجزائري‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭.‬

أما‭ ‬صاحب‭ ‬الصورة‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬محاضرا‭ ‬بارعا‭ ‬وأستاذا‭ ‬فذا‭ ‬في‭ ‬مادته‭ ‬ويبهرك‭ ‬بثقافته‭ ‬الموسوعية‭ ‬الثرية‭. ‬

كنت‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬أعلم‭ ‬بمحاضرة‭ ‬له‭ -‬عندما‭ ‬يحضر‭ ‬لبلادي‭- ‬حتى‭ ‬أهرع‭ ‬لأنهل‭ ‬من‭ ‬علمه‭ ‬الغزير،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬محاضرا‭ ‬يدهشك‭ ‬بشرحه‭ ‬للأمور‭ ‬الفلسفية‭ ‬المعقدة؛‭ ‬لتشعر‭ ‬أنك‭ ‬تحلق‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬فسيحة‭ ‬من‭ ‬المعرفة،‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تصل‭ ‬لإجابة‭ ‬سؤال،‭ ‬أو‭ ‬تتخيل‭ ‬أنك‭ ‬كذلك،‭ ‬حتى‭ ‬يلح‭ ‬عليك‭ ‬سؤال‭ ‬فتشعر‭ ‬بالإثارة‭ ‬والمتعة،‭ ‬وكنت‭ ‬أشعر‭ ‬في‭ ‬صوته‭ ‬الدافئ‭ ‬الرائع،‭ ‬ونظراته‭ ‬الذكية‭ ‬المعبرة‭ ‬بشيء‭ ‬غامض‭ ‬لا‭ ‬أستبينه‭.. ‬حزن؟‭ ‬ربما،‭ ‬حنين؟‭ ‬ربما‭. ‬وكنت‭ ‬أغالط‭ ‬نفسي؛‭ ‬بأنه‭ ‬ربما‭ ‬راجع‭ ‬لدراستي‭ ‬للعلوم‭ ‬الفلسفية‭ ‬والنفسية‭.. ‬حتى‭ ‬كان‭ ‬يوم‭ ‬خلت‭ ‬قاعة‭ ‬المحاضرات‭ ‬من‭ ‬الحضور،‭ ‬وظل‭ ‬الأستاذ‭ ‬جالسا‭ ‬ينظر‭ ‬عبر‭ ‬النافذة‭ ‬للصحراء‭ ‬الممتدة‭ ‬أمامه،‭ ‬وفي‭ ‬عينيه‭ ‬بريق‭ ‬أخاذ‭. ‬

كنت‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬غادر،‭ ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬عربتي‭ ‬أمام‭ ‬الباب،‭ ‬فجلست‭ ‬في‭ ‬الفناء،‭ ‬ووجدت‭ ‬الأستاذ‭ ‬جالسا‭ ‬أمامي‭ ‬فأخذت‭ ‬أناقشه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أجزاء‭ ‬المحاضرة‭.‬

ووجدت‭ ‬نفسي‭ -‬بلا‭ ‬إرادة‭- ‬أقول‭: ‬أهو‭ ‬حزن‭ ‬أم‭ ‬حنين‭..‬؟‭! ‬

فنظر‭ ‬إليّ‭ ‬بدهشة‭ ‬قائلا‭: ‬ما‭ ‬هو؟؟‭ ‬

فأجبته‭: ‬ذلك‭ ‬البريق‭ ‬في‭ ‬عينيك‭..!!‬

‭ ‬فأجاب‭: ‬كأن‭ ‬شخصا‭ ‬آخر‭ ‬يتكلم‭: ‬

 

‭ ‬‮«‬لبيت‭ ‬تخفق‭ ‬الرياح‭ ‬فيه‭       ‬

‭              ‬أحب‭ ‬إليّ‭ ‬من‭ ‬قصر‭ ‬منيف‭ ‬

أكل‭ ‬كسيرة‭ ‬من‭ ‬كسر‭ ‬بيتي‭     ‬

‭              ‬أحب‭ ‬إليّ‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬الرغيف‭ ‬

وأصوات‭ ‬الرياح‭ ‬بكل‭ ‬فج‭    ‬

‭               ‬أحب‭ ‬إليّ‭ ‬من‭ ‬نقر‭ ‬الدفوف‭ ‬

وكلب‭ ‬ينبح‭ ‬الطراق‭ ‬دوني‭    ‬

‭                 ‬أحب‭ ‬إليّ‭ ‬من‭ ‬قط‭ ‬أليف‭ ‬

 

أنا‭ ‬ابن‭ ‬البادية،‭ ‬عشت‭ ‬في‭ ‬أحضانها،‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬هناك‭ ‬أجاهد‭ ‬لأحضرها،‭ ‬ولكنها‭ ‬تتسرب‭ ‬مني،‭ ‬وتهيم‭ ‬بين‭ ‬الواحات‭ ‬والقفار،‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬موكبها‭ ‬المهيب،‭ ‬إلى‭ ‬الغيث‭ ‬وهو‭ ‬يزرع‭ ‬البِشر‭ ‬في‭ ‬الوجوه‭ ‬الساحرة؛‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬الأصفر‭ ‬الذهبي‭ ‬اللانهائي‭. ‬

وفي‭ ‬البادية،‭ ‬وعلى‭ ‬بئر‭ ‬الماء،‭ ‬رأيتها‭ ‬أول‭ ‬مرة؛‭ ‬بحضورها‭ ‬المهيب،‭ ‬وجمالها‭ ‬الأخاذ،‭ ‬ولفتيات‭ ‬البادية‭ ‬جمال‭ ‬سحر‭ ‬لا‭ ‬يضاهيهن‭ ‬فيه‭ ‬أحد‭.. ‬جمال‭ ‬عذري‭ ‬جذاب،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الشاعر‭ ‬الرائع‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬الطيب‭ ‬المتنبي‮»‬‭:  ‬

 

‮«‬ما‭ ‬أوجه‭ ‬الحضر‭ ‬المستحسنات‭ ‬به‭   ‬

‭                      ‬كأوجه‭ ‬البدويات‭ ‬الرعابيب‭ ‬

حسن‭ ‬الحضارة‭ ‬مجلوب‭ ‬بنظراته‭  ‬

‭               ‬وفي‭ ‬البداوة‭ ‬حسن‭ ‬غير‭ ‬مجلوب‭ ‬

أفدي‭ ‬ظباء‭ ‬فلاة‭ ‬ما‭ ‬عرفن‭ ‬بها‭    ‬

‭             ‬مضغ‭ ‬الكلام‭ ‬ولا‭ ‬صبغ‭ ‬الحواجيب‭ ‬

ولابرزن‭ ‬من‭ ‬الحمام‭ ‬مائلة‭      ‬

‭                   ‬ادراكهن‭ ‬صقيلات‭ ‬العراقيب‮»‬‭ ‬

 

ولم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أحبها،‭ ‬والقلق‭ ‬بها‭ ‬بالنظرة‭ ‬الرائعة،‭ ‬بالصوت‭ ‬العذب،‭ ‬وهي‭ ‬تردد‭ ‬مع‭ ‬الصبايا‭:‬

 

‮«‬يا‭ ‬صويحبي‭ ‬راعي‭ ‬الهوى‭ ‬لا‭ ‬تلومه‭    ‬

يمشي‭ ‬الفلا‭ ‬ويمسح‭ ‬دموعه‭ ‬بهدومه‮»‬

 

ومن‭ ‬بعيد‭ ‬أصوات‭ ‬الفتيات‭ ‬تردد‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬البادية،‭ ‬كان‭ ‬الطير‭ ‬والشجر‭ ‬الرمال‭ ‬الدافئة‭ ‬والأفق‭ ‬الواسع‭ ‬يرددها‭ ‬معهن؛‭ ‬بكلمات‭ ‬محفورة‭ ‬في‭ ‬قلبي،‭ ‬ساكنة‭ ‬في‭ ‬روحي.

ولم‭ ‬أستطع‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أحبها‭ ‬والقلق‭ ‬بها‭ ‬بجنون،‭ ‬وهل‭ ‬كذلك‭ ‬ربما‭ ‬أكثر‭ ‬لا‭ ‬تقولي‭ ‬كيف؟‭ ‬ومتى؟‭ ‬فالحب‭ ‬إحساس‭ ‬داخلي‭ ‬صعب‭ ‬وصفه،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إمساكه‭ ‬إنما‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭ ‬الروح‭ ‬وفي‭ ‬ثنايا‭ ‬النفس‭ ‬تمسه‭. ‬

ولكن‭ ‬البادية‭ ‬لها‭ ‬قوانينها‭ ‬الصارمة،‭ ‬وأعرفها‭ ‬الظالمة‭ ‬القاسية،‭ ‬فأين‭ ‬أنا‭ ‬منها‭ ‬وأين‭ ‬هي‭ ‬مني؟‭ ‬ابنة‭ ‬شيخ‭ ‬القبيلة‭ ‬ذو‭ ‬الأصل‭ ‬العريق‭ ‬والمال‭ ‬الوفير‭ ‬والكلمة‭ ‬المسموعة‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬سوى‭ ‬فتى‭ ‬فقيرا‭ ‬يجاهد‭ ‬والده‭ ‬ليعلمه‭. ‬

وبالطبع‭ ‬كان‭ ‬حلم‭ ‬الزواج‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬المستحيل،‭ ‬بل‭ ‬أننا‭ ‬نزحنا‭ ‬من‭ ‬منطقتنا؛‭ ‬عندما‭ ‬تناهى‭ ‬إلى‭ ‬والدها‭ ‬وعشيرتها‭ ‬رغبتي‭ ‬بالزواج‭ ‬منها،‭ ‬ونزحنا‭ ‬للمدينة،‭ ‬حيث‭ ‬هاجرت‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬أوروبي‭ ‬أكملت‭ ‬دراستي‭ ‬العليا‭ ‬فيه،‭ ‬وتزوجت‭ ‬وأنجبت‭ ‬فيه،‭ ‬وتقدم‭ ‬بي‭ ‬العمر،‭ ‬ولكنها‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬هي‭ ‬الحاضرة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬صوتها‭ ‬أمام‭ ‬عيني،‭ ‬صورتها،‭ ‬عبيرها،‭ ‬شذاها،‭ ‬سحرها‭ ‬الخلاب،‭ ‬وبراءتها‭ ‬الطاهرة؛‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تتزوج‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ولم‭ ‬يستطع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يجبرها‭ ‬على‭ ‬الزواج،‭ ‬وأصرت‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬‮«‬عذراء‭ ‬البادية‮»‬‭. ‬

 

‭**‬الكاتبة‭ ‬القطرية‭ ‬شيخة‭ ‬آل‭ ‬ثاني، خريجة‭ ‬علم‭ ‬نفس‭ ‬وإرشاد‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬وادي‭ ‬النيل،‭ ‬تحضر‭ ‬لدراسة‭ ‬الماجستير،‭ ‬لها‭ ‬دراسات‭ ‬وابحاث‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الورش‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬العيادي‭ ‬الإكلينيكي‭ ‬والسياسي‭. ‬صدر‭ ‬لها‭ ‬مؤخرا‭ ‬كتاب‭ (‬الأمراض‭ ‬النفسجسمية‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬تكتب‭ ‬قصصا‭ ‬اجتماعية‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬الحياة،‭ ‬وهي‭ ‬بصدد‭ ‬التحضير‭ ‬لرواية‭ ‬تاريخية‭ ‬تحت‭ ‬الطبع‭ ‬وكتاب‭ ‬في‭ (‬علم‭ ‬النفس‭ ‬السياسي‭).‬