لا.. لو قلتها مبكرا لما خسرت..


لا.. لو قلتها مبكرا لما خسرت..

‭ ‬وداد‭ ‬الكواري


أمضيت‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬حياتي‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬ارضاء‭ ‬الغير‭.. ‬غرباء‭ ‬واصدقاء،‭ ‬وحتى‭ ‬حين‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‮ ‬متعبة‭ ‬ومستزفة،‭ ‬لم‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬ولوقت‭ ‬طويل،‭ ‬رغم‭ ‬كثرة‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستدعي‭ ‬اتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬حاسم‭.‬

‭ ‬حين‭ ‬عملت‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬كمقدمة‭ ‬لبرامج‭ ‬الاطفال‭ ‬تعرفت‭ ‬على‭ ‬فتاة‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المجال‭ ‬الاعلامي،‭ ‬وكانت‭ ‬تكبرني‭ ‬ببضعة‭ ‬سنين،‭ ‬وتقيم‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬خليجي‭ ‬مجاور،‭ ‬واستمرت‭ ‬هذه‭ ‬الصداقة‭ ‬لمدة‭ ‬احدى‭ ‬عشر‭ ‬عاما،‭ ‬كنا‭ ‬نتواصل‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف،‭ ‬ولكن‭ ‬أكثر‭ ‬دقة،‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تبادر‭ ‬بالاتصال‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬العطلة‭ ‬الصيفية‭ ‬ببضعة‭ ‬اسابيع،‭ ‬تسألني‭ ‬عن‭ ‬خططي‭ ‬لقضاء‭ ‬الصيف،‭ ‬وعن‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬وفرته‭ ‬طوال‭ ‬العام‭ ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬هي‮ ‬من‭ ‬تختار‭ ‬وجهة‭ ‬السفر،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬تقوم‭ ‬بحجز‭ ‬التذاكر‭ ‬لي‭ ‬ولشقيقاتي،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬تختار‭ ‬الفنادق‭ ‬التي‭ ‬سنقيم‭ ‬فيها،‭ ‬والاماكن‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬الزيارة،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬تتولى‭ ‬ميزانية‭ ‬الرحلة‭ ‬كاملة،‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬المطلوب‭ ‬مني‭ ‬هو‭ ‬تسليمها‭ ‬تلك‭ ‬الميزانية‭ ‬وكل‭ ‬البطاقات‭ ‬التي‭ ‬بحوزتي،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التصرف‭ ‬وحده‭ ‬يغضب‭ ‬شقيقاتي‭ ‬اللواتي‭ ‬كن‭ ‬يجادلنني‭ ‬باستمرار‭ ‬ويطلبن‭ ‬مني‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لهذا‭ ‬الاستسلام،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬استحواذها‭ ‬الغريب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بحوزتنا‭ ‬دون‭ ‬استئذان،‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬تستخدم‭ ‬عطورنا‭ ‬واحذيتنا‭ ‬وتفتح‮ ‬‭ ‬الحقائب‭ ‬وتختار‭ ‬ما‭ ‬يحلو‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬ملابس،‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬ان‭ ‬كانت‭ ‬جديدة‭ ‬او‭ ‬قديمة،‭ ‬تصحبنا‭ ‬للمطاعم‭ ‬التي‭ ‬تروق‭ ‬لها‭ ‬وتتولى‭ ‬اختيار‭ ‬الاطعمة‭ ‬التي‭ ‬تحبها،‭ ‬وعلينا‭ ‬ان‭ ‬نجاريها‭ ‬فيما‭ ‬تحب،‭ ‬بالأحرى‭ ‬كنت‭ ‬انا‭ ‬من‭ ‬يجاريها‭ ‬واستغل‭ ‬طاعة‭ ‬اخوتي‭ ‬لي‭ ‬واحترامهن‭ ‬بمنعهن‭ ‬من‭ ‬احراجها‭ ‬بكلمة‭ ‬او‭ ‬نظرة،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬بأني‭ ‬أمن‭ ‬عليها‭...‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬الصيف‭ ‬الاخير‭ ‬الذي‭ ‬فصم‭ ‬عرى‭ ‬صداقتنا‭ ‬الغريبة،‭ ‬كنت‭ ‬أتوق‭ ‬لزيارة‭ ‬ايطاليا‭ ‬التي‭ ‬قرأت‭ ‬عنها‭ ‬الكثير،‭ ‬وادخرت‭ ‬مبلغا‭ ‬كبيرا‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الامنية،‭ ‬وحمست‭ ‬شقيقاتي‭ ‬لهذه‭ ‬السفرة‭ ‬الحُلم،‭ ‬لكن‭ ‬صديقتي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬رأي‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬ادري‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬كيف‭ ‬أقنعتني‭ ‬به،‭ ‬وهل‭ ‬اقتنعت‭ ‬حقا‭ ‬أم‭ ‬انني‭ ‬اضطررت‭ ‬للخضوع‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬اغضبها‭ ‬أو‭ ‬اخسرها،‭ ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬لديها‭ ‬صديقة‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عرضت‭ ‬عليها‭ ‬الاقامة‭ ‬في‭ ‬شقتها‭ ‬لمدة‭ ‬اسبوع‭ ‬هي‭ ‬ومن‭ ‬تحب،‭ ‬وسوف‭ ‬تستقبلنا‭ ‬في‭ ‬المطار،‭ ‬وستقوم‭ ‬بدور‭ ‬دليلنا‭ ‬السياحي‭ ‬مجانا،‭ ‬وهكذا‭ ‬سنوفر‭ ‬أجرة‭ ‬الفنادق‭ ‬وسيارات‭ ‬الأجرة،‭ ‬وبعد‭ ‬اسبوع‭ ‬نطير‭ ‬الي‭ ‬تونس،‭ ‬وبدل‭ ‬ان‭ ‬نزور‭ ‬بلدا‭ ‬واحدا‭ ‬نزور‭ ‬اثنين،‭ ‬وايطاليا‭ ‬ملحوق‭ ‬عليها‭ ‬كما‭ ‬قالت،‭ ‬ومع‭ ‬اننا‭ ‬زرنا‭ ‬لندن‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬وتجولنا‭ ‬خارج‭ ‬حدودها،‭ ‬كما‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬متحمسة‭ ‬للبلد‭ ‬الآخر،‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬اعترض‭ ‬وتجاهلت‭ ‬ثورة‭ ‬واستياء‭ ‬شقيقاتي،‭ ‬وتركتها‭ ‬تقودنا‭ ‬للمجهول،‭ ‬واول‭ ‬صفعة‭ ‬تلقيناها‭ ‬خارج‭ ‬المطار،‭ ‬حيث‭ ‬جاءت‭ ‬صديقتها‭ ‬بسيارة‭ ‬رياضية‭ ‬تكفي‭ ‬راكبين‭ ‬بالكاد،‭ ‬تظاهرت‭ ‬صديقتي‭ ‬بالدهشة‭ ‬وطلبت‭ ‬منا‭ ‬ان‭ ‬نستقل‭ ‬تاكسي‭ ‬ونتبعها‭ ‬على‭ ‬العنوان‭ ‬الذي‭ ‬سطرته‭ ‬في‭ ‬ورقة‭ ‬صغيرة‭ ‬ودسته‭ ‬في‭ ‬يدي،‭ ‬امام‭ ‬العمارة‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬نغادر‭ ‬سيارة‭ ‬الاجرة‭ ‬ابلغتنا‭ ‬بنبرة‭ ‬مفتعلة‭ ‬أن‭ ‬الشقة‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬استديو‭ ‬غرفة‭ ‬وصالة‭ ‬وانها‭ ‬ستضحي‭ ‬وتنام‭ ‬على‭ ‬الكنبة‭ ‬وعلينا‭ ‬ان‭ ‬نجد‭ ‬فندقا‭ ‬نقيم‭ ‬فيه‭ ‬حتى‭ ‬يحين‭ ‬موعد‭ ‬سفرنا‭ ‬لتونس،‭ ‬واحقاقا‭ ‬للحق‭ ‬سلمتني‭ ‬ورقة‭ ‬فيها‭ ‬اسماء‭ ‬عدة‭ ‬فنادق‭ ‬اسعارها‭ ‬معقولة‭ ‬كما‭ ‬قالت،‭ ‬وارسلت‭ ‬لي‭ ‬قبلة‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬ومضت،‭ ‬متى‭ ‬كتبت‭ ‬قائمة‭ ‬الفنادق‭ ‬مع‭ ‬ارقام‭ ‬الهواتف؟‭ ‬وهل‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬مسبقا‭ ‬ان‭ ‬صديقتها‭ ‬تقيم‭ ‬في‭ ‬شقة‭ ‬بحجم‭ ‬سيارتها؟‭ ‬أسئلة‭ ‬ضايقتني‭ ‬وحيرتني،‭ ‬وأججت‭ ‬غضب‭ ‬من‭ ‬معي‭...‬

‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أماما‭ ‬ببساطة‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬ننفق‭ ‬المبالغ‭ ‬المخصصة‭ ‬للمشتريات‭ ‬على‭ ‬السكن،‭ ‬وننتظر‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الرحلة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬بكل‭ ‬صدق‭ ‬مخيبة‭ ‬للآمال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الاولى،‭ ‬إذ‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬مضطرين‭ ‬للإقامة‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬اسمه،‭ ‬ويقيم‭ ‬فيه‭ ‬اسوأ‭ ‬انواع‭ ‬السواح‭ ‬لرخص‭ ‬ثمنه،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ممكنا‭ ‬استبداله‭ ‬بفندق‭ ‬آخر‭ ‬او‭ ‬استرجاع‭ ‬النقود‭ ‬التي‭ ‬دفُعت‭ ‬مقدما‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬صديقتي‭ ‬لوكالة‭ ‬السفريات،‭ ‬اما‭ ‬صديقتي‭ ‬فقد‭ ‬أقامت‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬جميل‭ ‬وفخم‭ ‬ويطل‭ ‬على‭ ‬البحر،‭ ‬وذلك‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬غرفة‭ ‬ثالثة‭ ‬في‭ ‬فندقنا‭ ‬واضطرت‭ ‬للمرة‭ ‬الثانية‭ ‬بعد‭ ‬الالف‭ ‬أن‭ ‬تفترق‭ ‬عنا‭... ‬وأن‭ ‬تضحي‭... ‬

تفاصيل‭ ‬تلك‭ ‬الاجازة‭ ‬والتي‭ ‬قبلها‭ ‬وقبلها‭ ‬كثيرة‭ ‬ومزعجة‭ ‬وتطلبت‭ ‬وقتا‭ ‬كبيرا‭ ‬لنسيان‭ ‬أغلبها‭.. ‬المهم‭ ‬أنها‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬وكذلك‭ ‬تلك‭ ‬الصديقة‭ ‬التي‭ ‬تعلمت‭ ‬منها‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬تقصد‭ ‬ان‭ ‬اقول‭ ‬لا‭ ‬حين‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬قول‭ ‬لا‭. ‬وربما‭ ‬لو‭ ‬قلتها‭ ‬مبكرا‭ ‬لما‭ ‬خسرت‭ ‬صداقتها‭ ‬واشياء‭ ‬أخرى‭.‬