بقعة هدوء


بقعة هدوء

‭ ‬عندما‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭.. ‬إلى‭ ‬الايام‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬حياتي‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬بوضوح‭ ‬كل‭ ‬الاخطاء‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬بحسن‭ ‬نية‭ ‬وبغباء،‭ ‬أخطاء‭ ‬أربكتني‭ ‬وأسلمتني‭ ‬للحزن‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الفهم،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬علي‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬أتطوع‭ ‬بتحذير‭ ‬فلانة‭ ‬من‭ ‬فلان‭ ‬لأنه‭ ‬اغتابها‭ ‬وقال‭ ‬عنها‭ ‬اشياء‭ ‬مسيئة،‭ ‬اشياء‭ ‬خاصة‭ ‬جدا‭ ‬وحقيقية‭ ‬جدا،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الموظفة‭ ‬كانت‭ ‬واثقة‭ ‬من‭ ‬صدقي‭ ‬الا‭ ‬أنها‭ ‬عنفتني‭ ‬بحقد‭ ‬ونقلت‭ ‬تحذيري‭ ‬للشخص‭ ‬الذي‭ ‬اغتابها،‭ ‬فأصبحت‭ ‬منبوذة‭.. ‬نوعا‭ ‬ما‭. ‬وعرفت‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬لا‭ ‬يحبون‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ويفضلون‭ ‬أن‭ ‬يبقوا‭ ‬مخدوعين‭ ‬مغفلين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لانهاية،‭  ‬الحقيقة‭ ‬تصدمهم‭ ‬والخداع‭ ‬يسعدهم،‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬تعلمته‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬البعيدة‭ ‬من‭ ‬طفولتي،‭ ‬أغلب‭ ‬الناس‭ ‬ضنين‭ ‬بالثناء‭ ‬كرماء‭ ‬في‭ ‬الهجاء‭ ‬والذم،‭ ‬لقد‭ ‬أشرت‭ ‬سابقا‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬شجعني‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬كانا‭ ‬غرباء‭ ‬عني،‭ ‬وإليهما‭ ‬أدين‭ ‬بالفضل‭ ‬‮«‬رجاء‭- ‬وجلبهار‮»‬‭ ‬وعشت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التشجيع‭ ‬سنوات‭ ‬وسنوات،‭  ‬لقد‭ ‬قرأت‭ ‬جملة‭ ‬للفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬‮«‬باسكال‮»‬‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ .‬علقت‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬واراحتني‭:‬‮»‬‭ ‬جميع‭ ‬مشاكل‭ ‬الاشخاص‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬الجلوس‭ ‬بهدوء‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬بمفردهم‭ ‬“ولم‭ ‬اكن‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الاشخاص،‭ ‬ولله‭ ‬الحمد،‭ ‬لقد‭ ‬كنت‭ ‬أستمتع‭ ‬بالوحدة،‭ ‬فالوحيد‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬أحدهم‭ ‬ليس‭ ‬تعيسا‭ ‬بالضرورة‭ ‬ولكن‭ ‬التعيس‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يشعر‭ ‬بالوحدة،‭ ‬وفي‭ ‬قرارة‭ ‬نفسي‭ ‬كنت‭ ‬واثقة‭ ‬بأنني‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬أية‭ ‬مشكلة،‭ ‬وانني‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬وتقبل‭ ‬المتاعب‭ ‬والمصاعب‭ ‬ومقاومتها‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬لم‭ ‬أسمح‭ ‬لأحد‭ ‬بمصادرة‭ ‬حريتي‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والتعبير،‭ ‬وحين‭ ‬كنت‭ ‬اعجز‭ ‬عن‭ ‬صد‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الجسدية‭ ‬والنفسية‭ ‬لصغر‭ ‬سني،‭  ‬كنت‭ ‬ألوذ‭ ‬بغرفتي‭ ‬الخاصة،‭  ‬غرفة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬احد‭ ‬كان‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬سلطته‭ ‬الولوج‭ ‬إليها‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬فيها،‭ ‬غرفتي‭ ‬الخاصة‭ ‬بي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬رأسي،‭ ‬تعج‭ ‬بالأحلام‭ ‬والآمال‭ ‬والافكار‭ ‬والعصيان‭ ‬ايضا،‭ ‬أول‭ ‬صفعة‭ ‬تلقيتها‭ ‬كانت‭ ‬بسبب‭ ‬رأي‭ ‬بدر‭ ‬مني‭ ‬بعفوية‭ ‬طفلة‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬السادسة،‭  ‬كانت‭ ‬احدى‭ ‬القنوات‭ ‬تعرض‭ ‬فيلما‭ ‬قديما‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أذكر‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬بئر‭ ‬الحرمان‮»‬‭ ‬وكان‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬الفنانة‭ ‬سعاد‭ ‬حسني‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬في‭ ‬الشخصية،‭ ‬بسبب‭ ‬عقدة‭ ‬نفسية‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬طفولتها،‭ ‬لم‭ ‬اكن‭ ‬أفهم‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬معنى‭ ‬ازدواجية‭ ‬ولا‭ ‬معنى‭ ‬عقدة،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يمنعني‭ ‬من‭ ‬التفوه‭ ‬بجملة‭ ‬بسيطة‭ ‬تكونت‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬ونطق‭ ‬بها‭ ‬لساني‭ ‬دون‭ ‬تخطيط،‭ ‬قلت‭ ‬الاهل‭ ‬هم‭ ‬السبب،‭  ‬فكان‭ ‬ان‭ ‬اعتبرها‭ ‬أحدهم‭ ‬وقاحة‭ ‬وقلة‭ ‬ادب‭ ‬وجاءت‭ ‬الصفعة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬ادري،‭  ‬انسحبت‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الجلسة‭ ‬الخانقة‭ ‬التي‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليها‭ ‬بصفاقة‭ ‬جلسة‭ ‬عائلية‭ ‬رافضة‭ ‬ان‭ ‬أعتذر‭ ‬عما‭ ‬قلته،‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬وفي‭ ‬البيت‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شبه‭ ‬اتفاق‭ ‬على‭ ‬تشويه‭ ‬طفولتنا‭ ‬وقمع‭ ‬أية‭ ‬افكار‭ ‬مختلفة‭ ‬لا‭ ‬تتسق‭ ‬مع‭ ‬فكر‭ ‬القطيع،‭ ‬كان‭ ‬علي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬ان‭ ‬اردد‭ ‬كلمات‭ ‬الاستهجان‭ ‬وأن‭ ‬أدين‭ ‬بطلة‭ ‬الفيلم‭ ‬والعنها‭ ‬لكي‭ ‬أحظى‭ ‬بالاستحسان،‭  ‬ولكي‭ ‬أكون‭ ‬فتاة‭ ‬طبيعية‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬اتخلى‭ ‬عن‭ ‬فرديتي،‭ ‬أن‭ ‬اقول‭ ‬ما‭ ‬يحبون‭ ‬سماعه،‭  ‬ان‭ ‬لا‭ ‬أفكر،‭  ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أسأل،‭  ‬ولا‭ ‬أحتج‭ ...‬حسنا‭ ...‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬ليست‭ ‬أنا‭. ‬ولن‭ ‬أكونها‭.. ‬تلك‭ ‬الصفعة‭ ‬تركت‭ ‬أثرا‭ ‬بقي‭ ‬على‭ ‬خدي‭ ‬لعدة‭ ‬أيام‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أسمح‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬تترك‭ ‬أثرا‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬ان‭ ‬اكون‭ ‬كبطلة‭ ‬الفيلم،‭ ‬لن‭ ‬أسمح‭ ‬للكره‭ ‬بالتغلغل‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬لن‭ ‬اسمح‭ ‬لتصرف‭ ‬همجي‭ ‬بتحويلي‭ ‬إلى‭ ‬مسخ،‭ ‬إلى‭ ‬عقدة‭ ‬متنقلة‭ ‬ومنفلتة،‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬ليست‭ ‬بحياة،‭ ‬لن‭ ‬أسمح‭ ‬لاضطرابات‭ ‬مؤقتة‭ ‬مهما‭ ‬طالت‭ ‬أن‭ ‬تنال‭ ‬مني‭... ‬لقد‭ ‬شبه‭ ‬‮«‬مارك‭ ‬توين‮»‬‭ ‬التسامح‭ ‬بالعطر‭ ‬الذي‭ ‬يسكبه‭ ‬البنفسج‭ ‬على‭ ‬القدم‭ ‬الذي‭ ‬سحقته‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬وأكثر،‭ ‬أنه‭ ‬قوة‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬بها،‭ ‬عندما‭ ‬تصفح‭ ‬وتسامح‭ ‬تتحرر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬القيود،‭ ‬تعود‭ ‬حرا‭. ‬تصبح‭ ‬الاحداث‭ ‬الحزينة‭ ‬مجرد‭ ‬حكايات‭ ‬ترويها،‭ ‬حكايات‭ ‬لم‭ ‬تترك‭ ‬ندوبا‭ ‬مخفية‭...‬لقد‭ ‬خصني‭ ‬الله‭ ‬بنعمة‭ ‬لا‭ ‬يحظى‭ ‬بها‭ ‬الكثيرون،‭ ‬نعمة‭ ‬التسامح،‭ ‬فكيف‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أستهين‭ ‬بتلك‭ ‬النعمة‭..‬،‭ ‬كيف‭ ‬لي‭ ‬ان‭ ‬اتجاهل‭ ‬تلك‭ ‬البقعة‭ ‬المضيئة‭ ‬على‭ ‬الدوام‭... ‬بقعة‭ ‬الهدوء‭ ‬في‭ ‬داخلي‭.. ‬بقعة‭ ‬تخصني‭ ‬وحدي‭.‬