الأردن- ربيعة الناصر / هل‭ ‬نصغي‭ ‬للصغار؟‭ ‬ “المكتبات‭ ‬العامة‭ ‬بيوت‭ ‬للمعرفة”


الأردن- ربيعة الناصر /  هل‭ ‬نصغي‭ ‬للصغار؟‭ ‬ “المكتبات‭ ‬العامة‭ ‬بيوت‭ ‬للمعرفة”
الأردن- ربيعة الناصر /  هل‭ ‬نصغي‭ ‬للصغار؟‭ ‬ “المكتبات‭ ‬العامة‭ ‬بيوت‭ ‬للمعرفة”

 

 

خمسون عاماً ونيف أعمل مع الكتاب ومن أجل القراءة، رغم أنه لم يصدر لي حتى الآن كتاباً ممهوراً باسمي، ليس لأني لا أملك ما أكتب، بل لأن اهتمامي ينصب على كيف نقرأ؟ وماذا نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟، فانشغلت عن مشروعي الشخصي، رغم توارد أفكار الكتابة في كل لحظة، أفكار تخص مجال عملي، الطفولة واليفاعة والشباب، التعلم الذاتي والتوقف عن التذمر من الفراغ الذي لم يعرف طريقه إلى حياتي منذ وعيت هذه الحياة،
وأفكار
لها علاقة بالحياة.. حلوها ومرّها، مواقف وتجارب أعيشها وأشهدها طالما عيناي تبصران، وسمعي ينصت، وقلبي يرتجف.
خمسون
عاماً أرقب الصغار يتشوقون للمعرفة، بينما الكبار منشغلون عنهم بأمور أبعد ما تكون عن مسؤوليتهم الأولى، مسؤولية الصغار الذين ليس لهم يد بأن يدبّوا على هذه الأرض، فيتركونهم يكبرون من غير دليل لخوض الحياة.
شغلتني
هموم التعلُّم، وأؤكد على «التعلُّم» وليس التعليم، فمن غير الرغبة بالتعلم لن يفقه المتعلم شيئاً مما يقرأه، أو يحاول الكبار تعليمه له، وأعني بالكبار، كل من الأمهات والآباء، المعلمون والمعلمات.
لا
أحب الشعارات ولا العبارات «الكليشهات” الجاهزة، ليس ابتداءً من، عادي، إنسَ، الشغل مش عيب، ولا انتهاءً بمفردات وعبارات مثل: فاشل، عزوف الأطفال عن القراءة. وبالنسبة للأخيرة، أسأل دائماً من يستخدمها لاختصار موضوع المشكلة: وهل اكتشف الصغار القراءة كي يعزفوا عنها؟!
منذ
أكثر من سنتين/ وهذه محطة جديدة سأستخدمها لترويج عادة القراءة والتواصل مع الكلمة/ أعمل مع فريق من المدربين ضمن مبادرة لتدريب أمينات مكتبات الأطفال وموظفي المكتبات العامة، وفرق لكل مكتبة من أعضاء المجتمع المحلي يضم آباء وأمهات، أجدادا وجدات وطلاب جامعات، مهمة الفريق الرئيسية الوصول لقناعة أن من واجبنا كمجتمع تشجيع الأطفال على القراءة. يتعرض المتدربون لبرنامج يضم أنشطة تشمل معظم الفنون، فنون قراءة القصة، فنون الكتابة الإبداعية، فنون الموسيقى والمسرح والرسم والأشغال اليدوية.
تتمحور
المبادرة حول الكتاب/ القصة والحكاية الشعبية، فنون قراءة القصة، القصة والكتابة الإبداعية، القصة الشعرية، القصة والموسيقى، القصة والمسرح، القصة والرسم، القصة والأشغال اليدوية.
ما
دفعني للكتابة عن هذه التجربة، الانطباعات التي يخرج بها المتدربون من هذه الورشات، حالة الفرح والبهجة الطفولية التي تبدو عليهم بعد كل نهار عمل، وما سجلته أقلامهم على صفحات التواصل الاجتماعي.
بدت
انطباعات المجموعات تماماً كما الأطفال، اكتشافهم ان متعة القراءة والقص، متعة التعبير بالرسم والكتابة، متعة تجريب الغناء وتلحين القصص، ومتعة التقمص والتمثيل. بإيجاز عاش المتدربون لحظات اكتشاف قدراتهم من جديد وتجلت تلك القدرات بحماس على من سيقرأ أو يمثل أو يغني ويرسم.
هذه
التجربة، ربما ستجعل كل من شارك في التدريب والتجريب يتريث ويفكر قبل أن يطلق أحكامه على الأطفال والشباب، سيتذكر أنه لو أتيح لكل منّا مساحة حرة للاطلاع على تجارب الآخرين في الكتب والقصص والتعبير عما يدور بداخله من خلال الرسم والغناء والمسرح، حتماً ستكون الحياة أجمل، والأهم من ذلك سيتمكن من خياراته المستقبلية بوعي أكبر وقتامة أقل.


هنالك
مثل روسي قرأته في كتاب «كل شيء يبتدئ من الطفولة” يقول:
العمل
الذي تزرعه تحصده عادة..
والعادة
التي تزرعها تحصدها طبعاً..
والطبع
الذي تزرعه تحصده مصيراً..


وفي
استبيان سبق تنفيذ مبادرة الورشات التدريبية شارك به كل من العاملين بمكتبات الأطفال وأعضاء المجتمع المحلي والأطفال واليافعين عن احتياجات المكتبة، لم يذكر الكبار سوى حاجات البناء والأثاث، بينما الصغار اعتبروا أن هذه الاحتياجات غير مهمة!! المهم بالنسبة لهم المزيد من الكتب والقصص الجديدة والأنشطة.
هذه
الأنشطة هي التي تساعد الأطفال على اكتساب المعرفة، وتحببهم بالتعلم الذي سيرافقهم طيلة حياتهم، وهذا ما نسعى له في بيت الحكايات والموسيقى بشكل عام وفي هذا المشروع بشكل خاص.
 أطفالنا جاهزون لاكتساب المعرفة والاستمتاع بقدراتهم فهل نحن جاهزون لتزويدهم بعادات تُحسن طباعهم وتحدد خياراتهم، فهل سنصغي للصغار؟

 

*الاستاذة ربيعة الناصر، من خلال مبادرتها «بيت الحكايات والموسيقى» جعلت القراءة القصصية طقسا يوميا ونشاطا ممتعا للأطفال. وتترجم هذه المبادرة التربوية أهمية الحكايات وتأثيراتها على الأطفال، في العاصمة الأردنية عمان، وعدد من المدن الأردنية.

وتعتقد المعلمة ربيعة الناصر أن أهم قرار في حياتها لدى بلوغها الستين من عمرها، حين قررت أن تتخذ لها مكانا خاصا ومخصصا للقراءات القصصية والفنون.. فكانت مبادرة بيت الحكايات والموسيقى.. التي تتيح ممارسة شتى أشكال الفنون للفئة المستهدفة من عمر 3 سنوات ولغاية 14 سنة.