لم يقل لي احد هيا اكتبي.. سواهما رجاء وجلبهار..


لم يقل لي احد هيا اكتبي.. سواهما رجاء وجلبهار..

‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬تتطلب‭ ‬المسألة‭ ‬كل‭ ‬الركض‭ ‬الذي‭ ‬يمكنك‭ ‬القيام‭ ‬به،‭ ‬لكي‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المكان،‭ ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬تريد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تركض‭ ‬بضعف‭ ‬السرعة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭.. ‬طبقت‭ ‬مقولة‭ ‬عالم‭ ‬الرياضيات‭ ‬وكاتب‭ ‬أشهر‭ ‬قصة‭ ‬للأطفال‭ ‬‮«‬لويس‭ ‬كارول‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬اسمع‭ ‬عنه‭ ‬او‭ ‬عن‭ ‬‮«‬اليس‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العجائب‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬البديل‭.... ‬الوقوف‭.. ‬أو‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بمكاسب‭ ‬هزيلة‭ ‬كان‭ ‬امرا‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬أمرا‭ ‬مخيفا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬كسرت‭ ‬كل‭ ‬القواعد‭ ‬والاعراف‭ ‬السائدة‭ ‬بظهوري‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬بوجه‭ ‬طفلة‭ ‬شاحب‭ ‬وخال‭ ‬من‭ ‬المساحيق‭ ‬ومرتبك،‭ ‬طفلة‭ ‬تردد‭ ‬بضعة‭ ‬كلمات‭ ‬مكتوبة‭ ‬بين‭ ‬البرامج‭ ‬والمسلسلات‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬بثها،‭ ‬وكان‭ ‬المسمى‭ ‬‮«‬مذيعة‭ ‬ربط‮»‬‭ ‬ان‭ ‬لم‭ ‬تخني‭ ‬الذاكرة،‭ ‬ولم‭ ‬يدر‭ ‬في‭ ‬خلدي‭ ‬قط‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬تعتبر‭ ‬تحدّ‭ ‬للمجتمع‭ ‬والقبيلة‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬وانما‭ ‬كانت‭ ‬عملا‭ ‬يدر‭ ‬دخلا‭ ‬ثابتا‭ ‬يمكنني‭ ‬من‭ ‬اعالة‭ ‬اخوتي‭ ‬وأمي،‭ ‬وما‭ ‬زلت‭ ‬ممتنة‭ ‬لمن‭ ‬قام‭ ‬بتوظيفي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السن‭ ‬المبكرة،‭ ‬ولوالدي‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬موافقته‭ ‬درع‭ ‬حماية‭ ‬أيا‭ ‬كانت‭ ‬دوافعه،‭ ‬وسمحت‭ ‬لي‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتطلب‭ ‬جهدا‭ ‬بإكمال‭ ‬دراستي،‭ ‬نلت‭ ‬الاعدادية‭ ‬ثم‭ ‬الثانوية‭ ‬وبعدها‭ ‬الجامعية،‭ ‬وخلال‭ ‬تلك‭ ‬المراحل‭ ‬كنت‭ ‬اراسل‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬بشكل‭ ‬متقطع‭ ‬وافاجأ‭ ‬بنشرها،‭ ‬ولا‭ ‬أذكر‭ ‬من‭ ‬أغراني‭ ‬بالتمثيل،‭  ‬لأن‭ ‬التمثيل‭ ‬عمل‭ ‬شاق‭ ‬وهو‭ ‬يستوجب‭ ‬موهبة‭ ‬لبدايته،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬املك‭ ‬أية‭ ‬موهبة،‭ ‬لاحقا‭ ‬عرفت‭ ‬ان‭ ‬ثلاثة‭ ‬ارباع‭ ‬من‭ ‬احترفن‭ ‬التمثيل‭ ‬‮«‬وحتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬لديهن‭ ‬أية‭ ‬موهبة،‭ ‬وانما‭ ‬وجوه‭ ‬نسائية‭ ‬أو‭ ‬عناصر‭ ‬نسائية‭ ‬تحفظ‭ ‬وتكرر‭ ‬ما‭ ‬حفظته‭ ‬وتساهم‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التوزيع‭ ‬التجارية،‭ ‬والبيع‭ ‬والشراء،‭ ‬ولأكون‭ ‬منصفة‭ ‬ينطبق‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬ايضا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يطلقون‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬ممثلين‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬أو‭ ‬الرجال،‭ ‬فهم‭ ‬جميعا‭ ‬لا‭ ‬يعرضون‭ ‬الشخصية‭ ‬المراد‭ ‬منهم‭ ‬اظهارها‭ ‬وإنما‭ ‬أنفسهم،‭ ‬شخصياتهم‭ ‬هم‭... ‬ولذلك‭ ‬تظل‭ ‬الشخصية‭ ‬هي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دور‭ ‬يؤدونه،‭ ‬وهم‭ ‬قليلو‭ ‬الموهبة،‭ ‬وقد‭ ‬وقفوا‭ ‬عند‭ ‬الفهم‭ ‬السطحي‭ ‬والشكل‭ ‬الخارجي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المضمون‭ ‬الداخلي‭ ‬للدور،‭  ‬ولحسن‭ ‬الحظ‭ ‬أدركت‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬فهجرت‭ ‬التمثيل‭ ‬دون‭ ‬أسف،‭ ‬وان‭ ‬كنت‭ ‬نادمة‭ ‬على‭ ‬الساعات‭ ‬التي‭ ‬أهدرتها‭ ‬في‭ ‬الوقوف‭ ‬امام‭ ‬الكاميرا‭ ‬وتكرار‭ ‬الجمل‭ ‬كالببغاء،‭ ‬وكان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أركض‭ ‬قدر‭ ‬استطاعتي‭ ‬لأعوض‭ ‬سنوات‭ ‬التخبط‭ ‬التي‭ ‬أضعتها‭ ‬في‭ ‬الاصغاء‭ ‬لأناس‭ ‬غير‭ ‬مؤهلين‭ ‬لإسداء‭ ‬النصح‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬نفسي‭ ‬بنفسي‭. ‬وأن‭ ‬أعرف‭ ‬الاشياء‭ ‬التي‭ ‬أحبها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬ادع‭ ‬الاخرين‭ ‬يقررون‭ ‬عني،‭ ‬أو‭ ‬يوجهونني‭ ‬حسب‭ ‬رغباتهم،‭ ‬منذ‭ ‬وعيت‭ ‬على‭ ‬الدنيا‭ ‬وأنا‭ ‬أعشق‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬فلماذا‭ ‬تركت‭ ‬الاخرين‭ ‬يجرفوني‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬عشقي،‭ ‬لم‭ ‬يقل‭ ‬لي‭ ‬احد‭ ‬هيا‭ ‬أكتبي‭.. ‬سوى‭ ‬اثنان،‭ ‬احدهما‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬والآخر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬الاول‭ ‬كان‭ ‬‮«‬رجاء‭ ‬النقاش‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬اليه‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬مجلة»الدوحة‮»‬‭ ‬وذلك‭ ‬حين‭ ‬نشر‭ ‬لي‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬ليلى‮»‬‭ ‬فازت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بالجائزة‭ ‬الاولى‭ ‬في‭ ‬قطر‭ ‬والشارقة،‭ ‬وأعقبها‭ ‬بنشر‭ ‬عدة‭ ‬قصص‭ ‬قصيرة‭ ‬لي،‭ ‬والثانية‭ ‬كانت‭ ‬الكاتبة‭ ‬والمنتجة‭ ‬‮«‬جلبهار‭ ‬ممتاز‮»‬‭ ‬التي‭ ‬التقيتها‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬أحد‭ ‬الاخوة‭ ‬في‭ ‬التلفزيون،‭ ‬وكنت‭ ‬ايامها‭ ‬قد‭ ‬كتبت‭ ‬سهرة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط،‭ ‬هي‭ ‬‮«‬تناقض‮»‬‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬راضية‭ ‬عن‭ ‬الحذف‭ ‬والاضافة‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بهما‭ ‬المخرج،‭ ‬وفي‭ ‬قرارة‭ ‬نفسي‭ ‬كنت‭ ‬عازمة‭ ‬على‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬كتابة‭ ‬الاعمال‭ ‬الدرامية‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ابدأ،‭ ‬لكنها‭ ‬بحس‭ ‬الكاتبة‭ ‬أو‭ ‬الانسانة‭ ‬أدركت‭ ‬ما‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬خاطري،‭ ‬ولم‭ ‬تتردد‭ ‬من‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مكانها‭ ‬لتجلس‭ ‬قربي‭ ‬وهي‭ ‬الكاتبة‭ ‬المعروفة‭ ‬وأنا‭ ‬مجرد‭ ‬فتاة‭ ‬صغيرة‭ ‬مجهولة‭ ‬لتقول‭ ‬لي‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬قرأت‭ ‬نصك‭ ‬التلفزيوني‭ ‬وأعجبني‭.. ‬أكتبي‭ ‬أكثر‭.. ‬أكتبي‭ ‬عملا‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬حلقة‭!‬‮»‬‭.  ‬صعقتني‭ ‬هذه‭ ‬النصيحة،‭ ‬وبقيت‭ ‬صامتة،‭ ‬لقد‭ ‬قضيت‭ ‬عدة‭ ‬أشهر‭ ‬أكتب‭ ‬عملا‭ ‬مدته‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف،‭ ‬وأشهر‭ ‬اخرى‭ ‬غاضبة‭ ‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬منه،‭ ‬فكيف‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬اكتب‭ ‬عملا‭ ‬مدته‭ ‬ثلاثون‭ ‬ساعة؟‭! ‬لكنها‭ ‬عادت‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬واثقة‭ ‬بأنك‭ ‬ستفعلين‭!‬‮»‬‭. ‬ولقد‭ ‬فعلت‭. ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬الاثنين،‭ ‬رجاء‭ ‬النقاش‭ ‬وجلبهار‭ ‬ممتاز،‭ ‬فهما‭ ‬من‭ ‬ساعداني‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬قدمي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الطريق‭ ‬الصحيح‭.. ‬او‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬أحب‭ ‬أن‭ ‬أسير‭ ‬فيه‭ ‬حتى‭ ‬النهاية‭.‬

‭  ‬

‭  ‬