أجمل الأمهات


أجمل الأمهات

عادت‭ ‬والدتي‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬للبيت‭ ‬في‭ ‬الواحدة‭ ‬ظهرا،‭ ‬وكان‭ ‬موعدها‭ ‬مع‭ ‬الطبيبة‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬صباحا،‭ ‬ولم‭ ‬يتسن‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬تعد‭ ‬لنا‭ ‬وجبة‭ ‬الغداء،‭ ‬وفاجأتني‭ ‬بطلب‭ ‬غريب‭: ‬“اسمعي‭ ‬حين‭ ‬يتوفر‭ ‬لك‭ ‬فائض‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬اشتري‭ ‬لي‭ ‬ساعة‭ ‬ماركة‭ ‬كذا‭.. ‬لقد‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يرتدون‭ ‬هذه‭ ‬الساعة‭ ‬يحظون‭ ‬بمعاملة‭ ‬خاصة،‭ ‬ولا‭ ‬يجلسون‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬الانتظار‭ ‬بالساعات،‭ ‬بل‭ ‬يتم‭ ‬استقبالهم‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الدخول‭ ‬أحسن‭ ‬استقبال‭ ‬ويتم‭ ‬ادخالهم‭ ‬للطبيب‭ ‬على‭ ‬الفور،‭ ‬غني‭ ‬عن‭ ‬القول‭ ‬انني‭ ‬استجبت‭ ‬لطلبها‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬لكنها‭ ‬ظلت‭ ‬ملتزمة‭ ‬وحريصة‭ ‬على‭ ‬التقيد‭ ‬بالنظام‭ ‬والمواعيد،‭ ‬مهما‭ ‬استخف‭ ‬غيرها‭ ‬بالنظام‭ ‬وتجاوز‭ ‬القوانين‭. ‬

في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬سكن‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬لوس‭ ‬انجلوس،‭ ‬واتفقت‭ ‬مع‭ ‬سمسار‭ ‬امريكي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عربي‭ ‬على‭ ‬اللقاء‭ ‬في‭ ‬التاسعة‭ ‬صباحا،‭ ‬وفي‭ ‬التاسعة‭ ‬الا‭ ‬ربع‭ ‬كنا‭ ‬انا‭ ‬وشقيقتي‭ ‬نقف‭ ‬امام‭ ‬العمارة‭ ‬التي‭ ‬حددها‭ ‬لنا‭ ‬حيث‭ ‬يقع‭ ‬المكتب،‭ ‬مضت‭ ‬دقائق‭ ‬بعد‭ ‬الموعد‭ ‬ولم‭ ‬يظهر،‭ ‬خابرته‭ ‬اختي،‭ ‬واتضح‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬نائما،‭ ‬لحسن‭ ‬الحظ‭ ‬كان‭ ‬يقيم‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬المكتب،‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭ ‬واعتذر‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬صار‭ ‬لي‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬اعمل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المهنة،‭ ‬أنتم‭ ‬اول‭ ‬عرب‭ ‬تلتزمون‭ ‬بالموعد،‭ ‬عادة‭ ‬يقولون‭ ‬سنأتي‭ ‬في‭ ‬التاسعة‭ ‬ويأتون‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة،‭ ‬كيف؟‭ ‬لا‭ ‬أفهم‮»‬‭ ‬حسنا‭ ‬ضع‭ ‬نفسك‭ ‬مكان‭ ‬الاخر‭ ‬دائما،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬تقول؛‭ ‬وستفهم‭. ‬

يقولون‭ ‬دائما‭ ‬ان‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬عظيم‭ ‬امرأة،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬هي‭ ‬الام،‭ ‬فمن‭ ‬غيرها‭ ‬يغفر‭ ‬ويصفح‭ ‬ويسامح‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬الاساءة‭ ‬من‭ ‬الابناء،‭ ‬بل‭ ‬وتدعو‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قلبها‭ ‬بالصلاح‭ ‬والنجاح‭ ‬والصحة‭ ‬متجاوزة‭ ‬كل‭ ‬تقصير‭ ‬في‭ ‬حقها،‭ ‬وكل‭ ‬نكران‭ ‬او‭ ‬جحود‭ ‬أو‭ ‬عقوق،‭ ‬لقد‭ ‬عاشت‭ ‬أمي‭ ‬حياة‭ ‬قصيرة‭ ‬لكنها‭ ‬عريضة،‭ ‬لم‭ ‬تفرح‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬حياتها،‭ ‬ووعدتها‭ ‬بحياة‭ ‬أحلى‭ ‬حين‭ ‬أكبر‭ ‬وأثبت‭ ‬قدمي‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬ويصبح‭ ‬لي‭ ‬راتبا‭ ‬معقولا،‭ ‬وعدتها‭ ‬بالطواف‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وبغرفة‭ ‬فسيحة‭ ‬لا‭ ‬يشاركها‭ ‬فيها‭ ‬احد،‭ ‬وعدتها‭ ‬بأشياء‭ ‬كثيرة‭... ‬لكن‭ ‬الموت‭ ‬لم‭ ‬يمهلها‭ ‬ولم‭ ‬يمهلني،‭ ‬كانت‭ ‬مميزة‭ ‬وجاء‭ ‬موتها‭ ‬مميزا،‭ ‬ماتت‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬طائرة،‭ ‬لا‭ ‬احد‭ ‬يحل‭ ‬محل‭ ‬الام‭.. ‬لا‭ ‬الزوج‭ ‬ولا‭ ‬الأبناء،‭ ‬ولا‭ ‬الاخوة‭ ‬ولا‭ ‬الاصدقاء،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭... ‬وجه‭ ‬أمي‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬كل‭ ‬الوجوه،‭ ‬ولن‭ ‬يقنعني‭ ‬أحد‭ ‬بغير‭ ‬ذلك،‭ ‬وجه‭ ‬طيب‭ ‬باسم‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬وروح‭ ‬طيبة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الخبث‭ ‬ولا‭ ‬النميمة‭ ‬ولا‭ ‬البغض،‭ ‬تفترض‭ ‬حسن‭ ‬النية‭ ‬حتى‭ ‬فيمن‭ ‬أذاها‭ ‬بقصد،‭ ‬وتجد‭ ‬اعذارا‭ ‬له،‭ ‬حاولت‭ ‬التشبه‭ ‬بها،‭ ‬ولم‭ ‬أستطع‭.‬

‭ ‬كيف‭ ‬لي‭ ‬أو‭ ‬لأي‭ ‬كان‭ ‬ان‭ ‬يستقبل‭ ‬ويستضيف‭ ‬صديقة‭ ‬غادرة‭ ‬ولعدة‭ ‬شهور‭ ‬في‭ ‬بيته،‭ ‬صديقة‭ ‬سرقت‭ ‬الزوج‭ ‬وشردت‭ ‬الابناء‭ ‬ونشرت‭ ‬الاشاعات‭ ‬المدمرة‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬يقتات‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاكاذيب‭ ‬ويصدقها‭ ‬دون‭ ‬تمحيص،‭ ‬أمي‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك،‭ ‬وحين‭ ‬عاتبوها‭ ‬قالت‭: ‬“المسامح‭ ‬كريم”‭. ‬

ذات‭ ‬مرة‭ ‬اقترضت‭ ‬جارة‭ ‬لها‭ ‬عقدا‭ ‬قيما‭ ‬كانت‭ ‬تعتز‭ ‬به،‭ ‬وبعد‭ ‬شهور‭ ‬اعادت‭ ‬العقد،‭ ‬ولكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نفس‭ ‬العقد،‭ ‬كان‭ ‬خفيفا‭ ‬ومختلفا،‭ ‬ولا‭ ‬يشبه‭ ‬الحلية‭ ‬التي‭ ‬استعارتها‭ ‬على‭ ‬الاطلاق،‭ ‬ورفضت‭ ‬امي‭ ‬ان‭ ‬تعيده‭ ‬لها،‭ ‬وتطالب‭ ‬بحليتها‭ ‬الاصلية،‭ ‬قالت‭ ‬لي‭: ‬‮«‬هذه‭ ‬جارتي،‭ ‬وام‭ ‬عيال،‭ ‬ولا‭ ‬اريد‭ ‬أحراجها،‭ ‬والله‭ ‬يعوضني‭ ‬خير‮»‬‭. ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬عادية،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الحلية‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬امي‭ ‬تملكها‭ ‬آنذاك،‭ ‬وتتزين‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬المناسبات،‭ ‬يختلف‭ ‬الامر‭.‬

اعتدت‭ ‬لعدة‭ ‬سنوات‭ ‬بعد‭ ‬رحيلها‭ ‬شراء‭ ‬هدية‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬الام‭ ‬وتقديمها‭ ‬لسيدة‭ ‬مغتربة‭ ‬هجرها‭ ‬الابناء،‭ ‬كانت‭ ‬سيدة‭ ‬طيبة‭ ‬تحتفي‭ ‬بي‭ ‬في‭ ‬اي‭ ‬وقت‭ ‬أزورها،‭ ‬وذات‭ ‬مرة‭ ‬اختفت‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬عنوانا،‭ ‬أخبرني‭ ‬بواب‭ ‬العمارة‭ ‬ان‭ ‬أحد‭ ‬أبنائها‭ ‬أنهى‭ ‬عقد‭ ‬الشقة‭ ‬التي‭ ‬تقيم‭ ‬فيها‭ ‬واصطحبها‭ ‬معه‭.. ‬وكففت‭ ‬بعدها‭ ‬عن‭ ‬الاحتفال‭ ‬بعيد‭ ‬الام،‭ ‬كل‭ ‬الاعياد‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الام‭ ‬أعياد‭ ‬منقوصة،‭ ‬لا‭ ‬يمر‭ ‬عيد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬استسلم‭ ‬للبكاء‭ ‬بمرارة،‭ ‬وكأن‭ ‬الرحيل‭.. ‬رحيلها‭ ‬كان‭ ‬بالأمس‭.. ‬لا‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭. ‬