ذكريات من مدرسة إلى مدرسة.. ولكن!


ذكريات من مدرسة إلى مدرسة.. ولكن!


لا‭ ‬اتذكر‭ ‬أسماء‭ ‬من‭ ‬تفضلوا‭ ‬بتعليمي،‭ ‬لكنني‮ ‬أذكر‭ ‬أسماء‭ ‬وملامح‭ ‬العاملات‭ ‬الطيبات‭ ‬اللواتي‭ ‬يقمن‭ ‬بكل‭ ‬الخدمات؛‭ ‬من‭ ‬غسل‭ ‬الصفوف‭ ‬إلى‭ ‬اعداد‭ ‬القهوة‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬التعليمات‭ ‬الصادرة‭ ‬من‭ ‬الادارة‭ ‬شفويا،‭ ‬أو‭ ‬تعليقها‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬اذا‭ ‬كانت‭ ‬مكتوبة،‭ ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬كنت‭ ‬أعجب‭ ‬من‭ ‬كمية‭ ‬الأوراق‭ ‬التي‭ ‬تستهلك‭ ‬سنويا‭ ‬لإيصال‭ ‬معلومات‭ ‬عادية؛‭ ‬يمكن‭ ‬ايصالها‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف،‭ ‬او‭ ‬ابلاغها‭ ‬للشخص‭ ‬المعني‭ ‬مباشرة‭-‬‮ ‬‭ ‬فلانة‭ ‬الفلانية‭ ‬ستغيب‭ ‬يومين،‭ ‬وستحل‭ ‬بدلا‭ ‬منها‭ ‬فلانة‭ ‬الفلانية،‭ ‬امتحانات‭ ‬منتصف‭ ‬العام‭ ‬ستبدأ‭ ‬يوم‭ ‬كذا‭ ‬وتنتهي‭ ‬يوم‭ ‬كذا،‭ ‬رزقت‭ ‬السيدة‭ ‬علانة‭ ‬معلمة‭ ‬الرياضيات‭ ‬بمولود‭.. ‬الخ‭.. ‬الخ‭... ‬اموال‭ ‬مهدورة‭ ‬بلا‭ ‬داع‭.. ‬وكنا‭ ‬إذا‭ ‬شعرنا‭ ‬بالضجر‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬ينتابنا‭ ‬هذا‭ ‬الاحساس‭ ‬نقف‭ ‬امام‭ ‬لوحة‭ ‬الاعلانات‭ ‬نقرأ‭ ‬“المكتوب”‭ ‬ونضحك‭...‬‮ ‬‭ ‬

أعود‭ ‬للعاملات‭ ‬ذوات‭ ‬الوجوه‭ ‬السمحة‭.. ‬أتذكر‭ ‬أيديهن‭ ‬الكبيرة‭ ‬الخشنة‭ ‬والمتشققة،‭ ‬وهن‭ ‬يفرشن‭ ‬بضاعتهن‭ ‬المتشابهة‭ ‬في‭ ‬الفسحة،‭ ‬أكياس‭ ‬بطاطس‭ ‬وشوكولاتة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬واحد‭ ‬ومشروبات‭ ‬غازية،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬لكل‭ ‬واحدة‭ ‬زبائنها،‭ ‬او‭ ‬رزقها،‭ ‬كما‭ ‬كن‭ ‬يقلن،‭ ‬ولا‭ ‬أنسى‭ ‬انهن‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬كن‭ ‬يوفرن‭ ‬لي‭ ‬وجبة‭ ‬صباحية،‭ ‬وهن‭ ‬يعلمن‭ ‬تمام‭ ‬العلم‭ ‬أنني‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الدفع‭.. ‬انني‭ ‬مدينة‭ ‬لتلك‭ ‬الطيبة‭ ‬والكرم‭ ‬الذي‭ ‬غمرنني‭ ‬به‭...‬

‭ ‬وتمر‭ ‬السنوات‭ ‬بطيئة‭ ‬مملة،‭ ‬واحصل‭ ‬على‭ ‬شهادتي‭ ‬الثانوية‭ ‬واتنفس‭ ‬الصعداء،‭ ‬وأقسم‭ ‬ألا‭ ‬أعرض‭ ‬اطفالي‭ -‬لو‭ ‬رزقت‭ ‬أطفالا‭- ‬عذاب‭ ‬التواجد‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬يهدر‭ ‬آدميتهم،‭ ‬ويعلمهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬تابعين‭ ‬وخاضعين‭ ‬وذليلين،‭ ‬وان‭ ‬لا‭ ‬يستخدموا‭ ‬عقولهم‭ ‬سوى‭ ‬للحفظ‭.. ‬ولقد‭ ‬بررت‭ ‬بقسمي،‭ ‬وأدخلت‭ ‬أبنائي‭ ‬مدرسة‭ ‬أجنبية‭ ‬أرهقتني‭ ‬ماديا؛‭ ‬لكنها‭ ‬جلبت‭ ‬لي‭ ‬راحة‭ ‬نفسية‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت،‭ ‬ثم‭ ‬بدأت‭ ‬مشاكل‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬تم‭ ‬استدعائي‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬“ابنتك‭ ‬انطوائية”،‭ ‬ولا‭ ‬تتبادل‭ ‬النكات‭ ‬والحديث‭ ‬مع‭ ‬زميلاتها‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬ولا‭ ‬خارج‭ ‬الفصل،‭ ‬وتفضل‭ ‬القراءة‭ ‬على‭ ‬الثرثرة،‭ ‬ويٌفضل‭ ‬عرضها‭ ‬على‭ ‬“طبيب‭ ‬نفسي‮»‬،‭ ‬حين‭ ‬تكررت‭ ‬الشكوى‭ ‬سحبت‭ ‬ملفها‭ ‬وسجلتها‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬أخرى‭ ‬أقل‭ ‬شهرة‭ ‬من‭ ‬الاولى،‭  ‬وبعد‭ ‬فترة‭ ‬أخبرني‭ ‬طفلي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتعدى‭ ‬السابعة‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬بأن‭ ‬معلمة‭ ‬الشريعة‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬يدرس‭ ‬بها،‭ ‬وجهت‭ ‬سؤالا‭ ‬لجميع‭ ‬التلاميذ‭ ‬في‭ ‬الفصل‭: ‬“هل‭ ‬يؤدي‭ ‬ذووكم‭ ‬الصلاة‭ ‬ام‭ ‬لا؟”‭.  ‬وأعقبته‭ ‬بسؤال‭ ‬آخر‭: ‬“وما‭ ‬هي‭ ‬البرامج‭ ‬التي‭ ‬يشاهدونها‭ ‬في‭ ‬التلفزيون؟‭ ‬علما‭ ‬بان‭ ‬التلفزيون‭ ‬حرام‭!‬”‭... ‬

‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬التالي‭ ‬كنت‭ ‬هناك،‭ ‬اعتذرت‭ ‬مديرة‭ ‬المدرسة،‭ ‬ووجهت‭ ‬انذارا‭ ‬للمعلمة‭ ‬التي‭ ‬بررت‭ ‬اسئلتها‭ ‬المستفزة‭ ‬بحرصها‭ ‬على‭ ‬تلاميذها،‭ ‬وخلق‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الالفة‭ ‬بينها‭ ‬وبينهم‭. ‬لكن‭ ‬الامر‭ ‬لم‭ ‬يتوقف،‭ ‬وبدأ‭ ‬طفلي‭ ‬يتصرف‭ ‬بعدائية‭ ‬شديدة‭ ‬نحونا،‭ ‬ويحرص‭ ‬على‭ ‬تغطية‭ ‬شاشة‭ ‬التلفاز‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬الصالة‭ ‬كديكور،‭ ‬والذي‭ ‬قلما‭ ‬انتبهنا‭ ‬لوجوده،‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬يتطور‭ ‬الامر‭ ‬ويعتبرنا‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬اقرباء‭ (‬لابي‭ ‬جهل‭ ‬وابو‭ ‬لهب‭) ‬نقلته‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬أخرى،‭ ‬وذات‭ ‬مرة‭ ‬جاء‭ ‬ابني‭ ‬البكر‭ ‬ضاحكا‭ ‬ومتباهيا‭ ‬بمعلومة‭ ‬جديدة‭ ‬سمعها‭ ‬من‭ ‬معلمة‭ ‬العربي‭ ‬ويود‭ ‬اخباري‭ ‬بها،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬استفسر‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المعلومة‭ ‬استطرد‭ ‬قائلا‭: ‬“هل‭ ‬تعلمين‭ ‬أن‭ ‬المسيحيين‭ ‬كفار؟‭! ‬بُهت‭...! ‬ثم‭ ‬واجهته‭ ‬بسؤال‭ ‬بسيط‮»‬‭: ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬معلمتك‭ ‬للعمل‭ ‬مع‭ ‬الكفار‭ ‬وقبض‭ ‬راتبها‭ ‬منهم؟‭!... ‬ولأنه‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬جريئا‭ ‬لن‭ ‬يوجه‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬سألته‭ ‬عن‭ ‬أركان‭ ‬الايمان‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬“الايمان‭ ‬بالله‭ ‬وملائكته‭ ‬وكتبه‭ ‬ورسله‭ ‬واليوم‭ ‬الآخر‭ ‬والقدر‭ ‬خيره‭ ‬وشره”،‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬وجدت‭ ‬حلا‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬اطفالي‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬لأخرى،‭ ‬كلما‭ ‬حاول‭ ‬أحد‭ ‬ما‭ ‬العبث‭ ‬بعقولهم‭ ‬وتشكيلهم‭ ‬حسب‭ ‬أهوائه‭ ‬ومعتقداته،‭ ‬الغيت‭ ‬مادتي‭ ‬العربي‭ ‬والشريعة‭ ‬من‭ ‬منهجهم‭ ‬الدراسي،‭ ‬واتفقت‭ ‬مع‭ ‬مدرس‭ ‬فاضل‭ ‬على‭ ‬تعليمهم‭ ‬اياهما‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬وتحت‭ ‬اشرافي،‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬كان‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬وزوجته‭ ‬بهية”‭ -‬رحم‭ ‬الله‭ ‬الاثنين‭-‬يأتيان‭ ‬يوميا‭ ‬ولعدة‭ ‬ساعات‭ ‬لتدريسهم‭ ‬المادتين‭.‬

الآن‭ ‬تغيرت‭ ‬المفاهيم‭ ‬القديمة‭ ‬نوعا‭ ‬ما،‭ ‬وباتت‭ ‬المباني‭ ‬المدرسية‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعا،‭ ‬ووسائل‭ ‬الترفيه‭ ‬أكثر،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬معظم‭ ‬المعلمين‭ ‬من‭ ‬الجنسين‭ ‬يختارون‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬المقدسة‭ ‬للراتب‭ ‬المجزي،‭ ‬أو‭ ‬لسهولة‭ ‬التوظيف‭... ‬