في معنى الصيام


في معنى الصيام


سميرة عدنان عوض

وأنت تتهيأ لشهر الفرقان، وأنت تستعد للشهر الكريم، فكر بمعنى الشهر، شرعا ودينا، سلوكا وتهذيبا، لغة واصطلاحا..

استعد لدخول الشهر الفضيل متجردا من كل ما هو غير إيجابي، متخليا عن كل ما هو لاإنساني.. زادك مصحف، وصلاة، ونية صوم لله، ولحظات تأمل..

توقف وتأمل قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ﴿١٨٥ البقرة﴾، إذن هو شهر الهداية للناس، وهو شهر الصوم لمن شهده، وهنا يكمن الواجب الديني، فـ(الصيام شرعاً: الإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات مع النية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس).  

توقف ثانية، وتأمل قوله تعالى: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ﴿٢٦ مريم﴾، وهنا يأتي معنى (الصيام لغة: الإمساك عن الشيء)، والصوم في معناه الإنساني، الصوم عن لغو الكلام، والصوم عن الغيبة والنميمة، والصوم عن القيل والقال، والصوم عن النية السيئة، والصوم عن الكسل، في البيت والعمل... وهذا الصوم يتواصل طوال العام.. يتواصل بقية العمر..

 

عام من الوداد..

نحن في مايو/ أيار 2016...

إذن هو عام يمر مع الكاتبة القطرية المتميزة وداد الكواري.. التي انضمت لأسرة "جميلة".. ابتداء من العدد (158) الصادر في مايو/ أيار 2015، قرأنا معها فصول سيرة حياة ناقصة "عشت لأحكي"، كما أسمتها.

وكان من المدهش لنا وللقراء، مواكبة مولد "راوية"، "سيرة ذاتية" تكتب صفحاتها عبر سلسلة متتالية، من الانتظار، والقراءة، نبحر معها في اكتشاف لحظات الالهام، وفي الوقت نفسه، نتعرف على ما شكل وعيها، وفجر موهبتها.

 

"فلسطين" تستريح في "كتارا"

تحضر فلسطين بناسها وتراثها، زيتها وزيتونها، ألوانها ورموزها، زعترها وفلافلها، أعشابها وأجبانها، حجرها وخزفها، أغانيها ودبكتها، وقبل ذلك كله وبعده.. أحلام صباياها وشبابها.. حكايا رجالها ونسائها..

تلقي فلسطين تعب "المشوار" على ضفاف شواطئ الدوحة، وتحط كنوزها في "كتارا".. تستريح إذ تجد العيون كما القلوب متلهفة لعناق "الوجع/ الفرح" القادم من أقاصي فلسطين، حاملا القدس والخليل ونابلس ورام الله.. معلنا هنا في الدوحة:

"ونحن لم نحلم بأكثر من حياة كالحياة...".. التوقيع محمود درويش...  

وليتواصل، أسبوع يؤكد عمق العلاقات التعاون والشراكة بين قطر وفلسطين، ويعكس ملامح الوجه الثقافي والحضاري لفلسطين. تنظمه "كتارا" بالتعاون مع جمعية الصداقة القطرية الفلسطينية.

القدس تسكنني.. نحملها فينا ومعنا

يحمل الفنان المقدسي، طالب الدويك، القدس معه، أينما حل وارتحل، معرضه الجديد هنا في كتارا عنوانه "القدس تسكنني"، وهي جملة حقيقية، وليست على سبيل المجاز، فريشته لم ترسم يوما غيرها، ولوحاته لم تسكنها مدن غيرها، وهو أيضا لم يسلتهم يوما مدينة غيرها. والقدس نفسها منحته اسرارها، نحن الذين نغبطه على محبتها، كيف لا.. وهو الذي لا يمر يوم واحد دون ان يرسمها، أسأله: من اين تأتي بكل هذه اللوحات المسكونة بالقدس؟ ليأتي الرد: إنها سيدة المدن، وملهمتي، منذ طفولتي، أرسمها من القلب.. وباللون.. وفي العين أسكنها..

 

قادمون من هناك.. معنا زيت وزيتون وزعتر..

 

عشق الفلسطيني للزيتون عصي على التفسير. فهو عصب مائدته اليومي.. زيت وزعتر..  والزيت سر الطبق الشهير "المسخن".. أما الزيتون المكبوس فهو زينة السفرة، بأسوده وأخضره، وأنواعه المتعددة..

 

وعشق الفنان الفلسطيني للزيتون، ظاهرة تستحق الدراسة، فالفنان طالب دويك، يزرع زيتونة في كل لوحاته المقدسية، لنجدها وقد اكتملت حقلا من الزيتون، اختارت أن تسكن اللوحة وحدها.

 

فضة الزيتون.. ورسالة أغصان فلسطين

ناديا أبو غطاس، فنانة فلسطينية تعشق زيتون بلادها، فتستلهم أغصان وأوراق شجر فلسطين وتحولها لمجوهرات من فضة. تكسو ورقة الزيتون بالفضة، محافظة على شكلها الأصلي، فتخرج قرطا يهمس في اذن الصبية باسم: فلسطين. أو يخرج عقدا، فينبض القلب بعشق فلسطين، أو يخرج إسوارة تأخذ بيد الصبية نحو فلسطين، أو يتشكل "خاتم" يضع بصمته في أقاصي الوجدان هاتفا، باسم فلسطين.. 

أسالها عن سر وريقات الزيتون فتقول: أنها طريقتي لأرسل أوراق الزيتون الفلسطينية إلى كل أنحاء العالم، إنها رسالة السلام.

 

وتتواصل حكايا الزيت والخيط والحجر..

 

لا يخلو بيت فلسطيني، من (صحني الزيت والزعتر)، وهنا يحضران بكامل الطزاجة من قلب فلسطين، إلى قلب الدوحة، يصر الشاب على رواد "المعرض" بتذوقهما، ويا لجمال التذوق.. وعلى مقربة منهما الجبنة النابلسية.. والفلافل سرية الخلطة..

وصبية جامعية تدرس القانون، إلا أنها تواصل هوايتها في الرسم على خشب الزيتون أيضا، باللون والنار، تحيله لمجوهرات، او قطعا فنية تنعش ذاكرة سكان البيت. فيما صبية أخرى تحول خيطان الحرير بواسطة التطريز إلى عقد وخاتم، تسألها: كيف ولماذا؟! فترد: ليظل تراثنا قريبا لعين وقلب الأجيال..

وفي ركن آخر يقف الحجر شامخا، بألوان ونقشات رائعة، هامسا: أنا من هناك.. من ارض البركة.. ارتحل إلى هنا حاملا معي نبضي وبهائي.. فلا تبخل على قلبك بطيبة الحجر..