اخلع حذائك قبل دخول البيت...!"


اخلع حذائك قبل دخول البيت...!"
اخلع حذائك قبل دخول البيت...!"

xد.راما زياد صافي*

"حتى يتغير كل شيء... فلن تعودوا" 

وكان هذا آخر ما سمعوه تحت سقوفهم الآمنة.

وبدأت حياتهم التي افترشوها في الأرض المقابلة لدكان أبو مسعود؛ والجيد في الأمر أن أبا مسعود كان انضم إليهم قبل يومين؛ ولو لم يفعل؛ لكان الله وحده أعلم من أين سيأكلوا!!

وقد اقترب الظلام ساخرا من رجولتهم وبيوتهم؛ وعلى الرغم من مغادرتهم إلا أنهم يقبعون في بقعة تمكنهم من تأمل البلدة وجميع بيوتها... بل وهم يحرسون البيوت عن قرب بعد حلول الظلام خوفا منهم على أولادهم... وخوفا من زوجاتهم.

وقد قرر أبو مسعود الليلة أن يكون العشاء مكونا من الجبنة ومعلبات التونا والشاي – وقد ظن البعض أنه يريد تسميمهم -؛ لكنهم كانوا راضين حيث أنهم يتخذون احتياطاتهم الغذائية حتى تمر الازمة؛ تحسبا لعدة أيام أخرى في العراء.

ومن حسن حظهم – إن افترضنا أن حظهم جيد - أن الجو صيفي حار، ولولا ذلك... لكانوا أصبحوا كالدجاج المجمد منذ أيام.

وعلى الرغم من محنتهم في العراء؛ التي لام الكثيرون فيها أمريكا واسرائيل والإنترنت والتلفاز؛ إلا أنه برغم ذلك فقد توطدت أواصر صداقتهم؛ وزادت معرفتهم ببعضهم، وحتى المشغولون – والانتهازيون أيضا- منهم؛ وجدوا الوقت ليتحدثوا فيه مع جيرانهم... لتمضية الوقت وقتله؛ أملا في الحصول على حل لأزمتهم.

*****

كانوا قد أنهوا عشائهم – ولم يتسمموا لحسن حظهم وسوء حظ زوجاتهم كما قال مازحا أبو فارس-؛ واجتمعوا حول النار التي أشعلوها وسط الأرض بجمع بعض الأوراق والأغصان الجافة وباستخدام كاز و فحم أبو مسعود – الذي أصر عليهم بدفع قيمته عند انتهاء الازمة-؛ اجتمعوا يتسامرون ويتباكون؛ تارة تأخذهم غبطة الحرية الجديدة وتارة بأس النوم في العراء بعد "البهدلة"؛ وضحكوا و قالوا النكات؛ الساخرة منها والفاحشة... كل بدوره، حتى جاء دور أبي صالح ليدلو بدلوه... فتجهم القوم في وجهه... وباغته أبو عبد الله قائلا : "ولك وجه لتتحدث!! ألست أنت السبب يا رجل؟؟!"

"أنا؟ لماذا؟"

"لأنك اول من طُرد... ولو قمعت تمرد امرأتك؛ لما تجرأت نساؤنا على التمرد ولما وصل الحال بنا إلى هذا"، قال قائل منهم.

"ولماذا لم تتشاطر انت على امرأتك!"، رد أبو صالح.

وصمت الجميع.

كيف وصل الحال بهم إلى هنا في وحشة الظلام، وقد تنقض عليهم خرفان الراعي في أي لحظة؟!

*****

قبل أسبوع عاد أبو صالح من عمله إلى المنزل – كما يفعل دوما-؛ وقد دخل من باب المطبخ إلى

غرفة النوم مباشرة دون أن يخلع حذائه.

"ما الذي حصل في مصر للآن؟؟"، قال سائلا امرأته التي كانت تشاهد التلفاز الموجود في غرفتهم.

"لم يحصل شيء" قالت، ثم نظرت إليه، "أشهد ان لا إله إلا الله! لماذا تدخل بحذائك ولا تخلعه؟ أم تظن أن الأرض ستنظف نفسها بنفسها!"

"ماذا حصل يعني؟ ليس متسخا!!"

"أنا طفرت!"

"من مشاهدتك التلفاز؟"

"بل من هذه العيشة!"

"اطلعي مظاهرة!" وضحك مطولا.

 

ولم يكن هذا ما دفعها لطرده؛ بل مجموعة أخرى متراكمة من الشجارات التافهة – وفقا له-؛ لكنها انتهت بأن علقت امرأته بعد يومين من حادثة الحذاء لافتة على باب المنزل تقول، "أم صالح تريد... إسقاط أبو صالح"، وقد كان مذهولا لرؤيتها تتوسط باب البيت عند عودته من العمل ذاك اليوم؛ ودق الباب ظانا منه أنها تمزح... إلا أنها استرقت النظر من عين الباب وقالت له:

"حتى يتغير الحال وتصبح مؤمناً بخلع حذائك قبل دخول البيت... فلن تعود!"

وكان قد انصدم في بادئ الأمر، إلا أنه لاحظ بعد ساعة من حومه حول المنزل؛ أن كلا من أبي طاهر وأبي جميل قد انضما إليه بعد أن لاحظ لافتات مشابهة للتي علقتها زوجته على منزليهما... وهكذا توالت الأحداث والتمردات... حتى أصبحوا بدل الثلاثة ثلاثين؛ وقد استنتجوا خلال حديثهم في الأيام التي أمضوها مع بعضهم؛ أن النساء قد اتفقن فيما بينهن؛ وأن أول من طُرد بنجاحٍ كان أبو صالح؛ فأخبرت زوجته بقية نساء الحي اللواتي أكملن ما بدأت فيه.

*****

 

كتّم جميعهم على الذي حصل؛ فقد كان آخر ما يلزمهم أن يصبحوا أضحوكة الأقارب والزملاء، هذا عوضا عن خوفهم من أن يصل الخبر إلى الجرائد – بل والتلفاز-، فيصبحوا عبرة لمن لم يعتبر؛ فاتصل كل منهم بأقربائه وأخبرهم أنهم مغادرون في رحلة سياحية ولن يعودوا قبل عشرة أيام... أما في العمل؛ فكأن شيئا لم يحصل لأحد منهم؛ فقد خشي الكثيرون منهم مصير زين العابدين!! ولم يكن في نية أحد منهم أن يصبح نكتة لأحد أيا كان.

 

"إنه التلفاز... لقد تمردن مثل الشعوب العربية..."

"والله السبب أمريكا والغرب...  يريدون من النساء الانحلال!"

"يجب أن نمنعهن التلفاز ... وهذا الانترنت"

"نمنعهن!! فليعدننا للبيوت بالأول ثم نتكلم عن المنع وغيره!"

"يحتجن إلى تربية!"

"وماذا فعلنا لهن حتى يثرن هكذا كالحيوانات!! فعلا يحتجن تربية!"

ثم صمت الجميع، هل فعلا يحتجن إلى تربية؟ وماذا فعلوا؟ هل لم يفعلوا شيئا؟ أم أنهم بخطاياهم وإزعاجاتهم كالحصى الصغير الذي تراكم فوق بعضه البعض فائضا من فوهة جرة مائلة... وعندما تثقل الجرة قد تنقلب... بل وتنكسر أيضا.

*****

جاء يوم الجمعة؛ وتوجه الرجال نحو المسجد، وقد ذهبوا جميعهم نظرا لحساسية المسألة، فقد كان كل منهم يراقب الآخر... ومن لم يتعود منهم صلاة الجمعة جماعة؛ ذهب مدفوعا بالخجل أكثر من الرغبة في الثواب.

وقد تساءل كل واحد بينه وبين نفسه إن كان الشيخ محمود يعاني من ذات مشكلتهم مع زوجته؛ وهل طلبت منه مغادرة دار المسجد أم لا يا تر؟ وهل تزعجها هفوات الشيخ الضغيرة – والتي لا بد أنه يملك بعضا منها-؛ تساءلوا مع ذاتهم لكن أحدا منهم لم يجرؤ على الجهر بسؤاله.

وقد صلى جميعهم، واستمعوا للخطبة آملين ألا يتطرق الشيخ لمشكلتهم فتصبح رسمية – محلية-؛ حيث ما دام المنبر لم يتطرق لها، فهي ليست محلية... ومادام انها ليست مفضوحة؛ فهي ليست بأزمة... ولا تعدو كونها مشكلة عابرة!!

تحدث الشيخ في خطبته عن الزكاة والصدقات، فقالوا في أنفسهم "أحسن"، فحديث مال ولا حديث نفس... وواصل حديثه حتى جاءه ابنه ذو التسعة أعوام أثناء إلقائه للخطبة... وألقى أمامه بقجة ملابس وقال له، "أمي تقول لا تعد للمنزل حتى ..."

لكنه لم يكمل... لأنه كمم فم الولد بيده ثم أرسله ناهرا إلى البيت.

وانتهت الخطبة بلا نهاية ووجه الشيخ مقطب عابس كمن رأى شبحا في نهاره.

وخرج الرجال من المسجد بأهواء وأراء مختلفة... فبعضهم يكركر ضاحكا في نفسه على الشيخ... وبعضهم حزين عليه وآخرون شامتون فيه... الا أن الجميع جمعهم الخوف من مصيرهم... فما نهاية هذه القصة؟ وإن كان الشيخ لم يستطع ردع امرأته... فماذا يفعلون هم بنسائهم؟

 

وأكملوا مسيرهم نحو الارض الخالية المقابلة لدكان أبو مسعود... وكان هذا اليوم الثامن بل وحتى التاسع لبعضهم... وأراد الجميع لو يستطيعون؛ العودة لبيوتهم لتنماول غداء الجمعة الدسم – عادة- ثم أخذ قيلولة العصر كالمعتاد ... لكنهم بقيوا محاصرين في هذه الارض... وجلسوا... وبعد ذلك اقتربت الساعة للثانية ظهرا...

"أنبعث أحدنا إلى السوق ليجلب الغداء؟" سأل ابو جميل

"نعم... أظنها أفضل فكرة..."

"لا يبدو ان نسائنا سيتزحزحن عن قرارهن بإرجاعنا.." قال أحمد زوج سلمى.

"وماذا إن هددناهن... نهددهن بالطلاق! بالتأكيد سيخفن!"

 

واتفق الرجال على ذلك؛ سيبعثون بمبعوث من جانبهم إلى نساء الحي؛ إلى ام صالح بالتحديد؛ وسيسلمهن رسالة بالمطالب – او التهديدات- التي ستنتج عن غصرارهن على موقفهن.

"إلى نساء الحي:

نحن رجالكم نطلب منكن التراجع عن موقفكن... وإن لم يكن ذلك... ستجدن انفسكن مطلقات".

وكان هذا نص الرسالة المختصرة التي حملها عن الرجال أبو حسن ... وعندما قرع باب منزل أبو صالح خرج لملاقاته ابنه الصغير شادي... سلمه الرسالة وقال له أعطها لأمك... وانصرف.

بعد ساعة– وكانوا يتناولون الغداء الذي جلبه أبو جميل من السوق؛ جاء شادي برسالة لهم... سلمهم إياها؛ فطلب والده منه المكوث لتناول الغداء معهم؛ إلا انه قال انه يريد تناول المنسف في المنزل ثم غادر...

هجم الرجال على الرسالة يريدون قرائتها... وكل منهم يحاول سرقتها من يد الىخر

"إلى رجال الحي:

نحن النساء لن نتراجع حتى تلبى مطالبنا... فنحن سئمنا التنازل من اجلكم... لقد حان الوقت ليحصل الجميع على حقوقهم... ولن ينفع تهديدنا بالطلاق"

وجن الرجال عند قرائتهم للرسالة... فلم يكن هذا ما توقعوه أبدا

"النساء جنن... من كثرة مشاهدة التلفاز والاخبار"

"أو انهن مجنونان وظهر كل هذا تزامنا مع الثورات العربية"

"وماذا نفعل بهن؟ "

"لماذا لا نرضى بمطالبهن ونحل المشكلة... ويا دار ما دخلك شر! إنهن يطالبن"

وصمت الرجال؛ وفكر كل واحد منهم بآلاف الاشياء... أيتراجعون ام يتقدمون للامام؟

*****

كان المساء قد حل... وبدا الجو يتخذ طابعا باردا قليلا؛ وقد اقترب الرجال من منزل ابو صالح؛ وقد كانوا بعثوا برسالة للنساء قبل ذهابهم بساعة؛ وأخبروهن انهم يريدون الحديث معهن في برندة أبو صالح بعد ساعة... وقد كان كثيرون منهم مترددين أيذهبون ام لا؟ أيخطعوا لمطالبهن ام لا؟

لكن منطقهم غلب غضبهم وشكوكهم... فذهبوا... لأنهم يعلمون ان ما طالبت به نساؤهم ليس بالمستحيل او الخاطئ...

 

وفي الطريق؛ لاح لهم ان النساء تنتظرهن على البرندة، وعند وصولهم كانت النساء قد جلسن على الكراسي... وبقي الرجال واقفون ...

"لقد اتفقنا ان علينا ان نتصالح؛ ونضع وراء ظهورنا ما حصل!" قال احمد زوج سلمى.

"ونحن موافقات ... بشرط ان تنفذ كل طلباتنا" قالت ام جميل.

"حسنا..." قال أحد الرجال.

"هل هذا يعني أنك ستساعدني في تدريس الاولاد يا أبو جميل؟"

صمت الجميع ونظروا لأبي جميل.

"نعم" قال حانقا لكن خاضعا "سأساعد"

"وانت يا أبو مسعود... ستتوقف عن إحضار المعلبات المنتهية مدتها من الدكان إلى المنزل"

"نعم... سأتوقف" قال وهو مسّود الوجه.

"وانت يا أبو ليث... ستتوقف عن إزعاجنا باغاني هيفاء ونانسي؟"

فضحك الجميع وطغى ضحكهم على قوله "نعم"

"وانا اريد منك ان تساعدني في فك البرادي عند الغسيل" قالت ام حسن لزوجها

"وانا اريد مشاهدة المسلسل السوري بعض الايام... فقد مللت الاخبار كل يوم" قال إحداهن لزوجها.

واستمرت النساء في مطالبهن، ورجالهن يقومون إما بالايجاب او الصمت...

حتى انتهى الجميع من الحديث وبقيت ام صالح الوحيدة التي لم تتفوه بكلمة...

وعندما قلبوا ابصارهم بينها وبين زوجها... كان زوجها حافي القدمين، ولم يفهم أحد منهم مغزى ذلك..

فسألت النساء زوجته "وانت ماذا تريدين يا ام صالح؟"

صمتت... وطالت النظرات بينها وبين زوجها ... ثم قالت: "انا ليست لي مطالب"...

 

*د.راما صافي، طبيبة، تحب الكتابة، وتعتبرها جزء من هويتها، ولها مقالات منشورة في صحيفة القدس العربي/ لندن، وقصص قصيرة، بالإضافة للعديد من الكتابات حبيسة الأدراج لم تنشر بعد، كما قالت لـ"حياة جميلة" في رسالتها الإلكترونية.. وهذه القصة فازت بالمركز الثاني في مسابقة الإبداع الشبابي لوزارة الثقافة الأردنية.. وهي قصة تتناول معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة، بطريقة عميقة تدرس جوانية النفس.. ونحن نرحب بكتاباتك دائما..

 

 

Comments

    No Comments

Post your comments

Your email address will not be published. Required fields are marked *