أشياء لا أقولها


أشياء لا أقولها

د.راما زياد صافي*

السكون دوامة هائلة، تبتلع ما في جوفي من صراخ لتدرسه إلى حبات غضب ما تلبث أن تسقط متسارعة لاهبة على تل من الجليد، تذوّب أكوام الجليد أو يمتصها، لا فرق... فهي تتبخر في النهاية... لكنها لا تزول.

سكوني ليس كسكون الهواء البارد الذي يسبق العواصف؛ فقد جاء مفاجئا فاجعا، كحجر طائش أو هكذا تقول والدتي، إنها المصيبة، تقع على رؤوس النائمين منا... تغيّبنا عن الواقع برهة ثم لا تلبث تعيدنا للعالم كتلا هائلة من الغضب والانكسار والحقد. أحمق من يقول لي أن مصيبتي أخرجت شيئا من القوة في نفسي، أحمق جدا من يحاول إقناعي بداعي القربى أو الشفقة أو حتى الإنسانية أنها قتلت شيئا لتحيي شخصا... أحمق جدا.

 

كنت أصغي لأم كلثوم ذاك اليوم، تضعها أمي في المطبخ وتحضرني بهذا الكرسي الميت فأستمع معها، ترى كيف تعرف أمي أنني أستمتع بها؟ لا أعرف ما تفسير موسيقى كوكب الشرق نفسيا لكنني أستمع إليها، ربما لأشعر بما لن أشعر به يوما في حياتي، لا يمكن لإنسان أن يحب امرأة مثلي بأطراف جامدة كالخشب، فأستمع لأم كلثوم وأنسى... يا الله ما أجمل صوت أم كلثوم! لكنني أشعر بالغضب منها أحيانا... لماذا تطربنا للحب فقط؟ أليس في الكون شيء يوازي أهمية الحب أيضا؟ ألا يوازي المطر والطيور والتراب بأهميتهم الحب؟ غريب أمر الناس... يتغنون بأشياء إمّا يحلمون بها أو ضاعت منهم في سباق الحياة! لكن أبي قطع حبل المتعة في قلبي عندما تشاجر هو وأخي، أخي مازحني وقال لي كيف تستمعين لأم كلثوم المملة؟ سمعه والدي وتشاجر معه، "كيف تقول هذا لأختك؟"... لا أعرف ما خطب والدي؛ فليس على الجميع معاملتي بلطف لأنني مقعدة، حبذا لو يعاملونني بإنصاف كباقي البشر فهذا أفضل لي... أنا أكره الشفقة؛ فهي السكين التي تقطع قلبي كل مرة... وقلبي أصبح أشلاء ولم يعد في روحه مكان آخر للقطع... فقد أضحى خارطة ممزقة ملصقة القطع بغراء السكوت... ترى لو تكلمت ماذا كنت أقول؟

 

أكنت أقول أنني جالسة في غرفة فيها نوافذ؟! بالطبع لا... فهذا ليس بالخبر المهم؛ فكل الناس عندها غرف وعندها نوافذ، حسنا... ربما ليس كل الناس... بعضهم ينامون في عراء الأحلام... وآخرون لهم غرف كبيرة بلا نوافذ، أكنت أقول أنني حبيسة كرسي معدني؟! ربما... لكن هذا لا يمنحني شرف الكلام على أي حال... أتذكر كل يوم كيف صرت صديقة هذا الكرسي الرقمي... وكيف أصبحت حياتي عبارة عن تقاطع من الخيبة والشفقة، لكن أكنت أقول أن شظية استقرت في عمودي الفقري سببت لي هذا؟ أكنت أقول أن لغما انفجر فيّ وفي صديقتي أثناء رحلة مدرسية... قتلها اللغم الإسرائيلي و أبقاني... يا ليت لو أنه أخذني معها... على الأقل لم أكن سأموت كل يوم ألف ميتة... على أي حال، كل شيء في الحياة نصيب، حتى الموت نصيب! ونصيبي لم يكن راحة أبدية في التراب... أكان هذا اللغم قبل أم بعد السلام؟ لا أذكر ولا يهمني أن أتذكر... فلا السلام ولا الحرب خبران جيدان لآبه بهما.

 

زفاف أختي بعد أيام... سمعت أمي تقول أنها ستحضر لي فستانا جميلا أرتديه في الحفل... عندما سمعتها انفجرت ضاحكة ونظر الجميع لي كأنني مجنونة، والحقيقة أن شعور الجنون أفضل من الشفقة؛ فأصبحت ألجأ للضحك و الجنون أكثر مؤخرا... الجنون فنون وغبطة وقوة لا تملكها دموع الشفقة... المهم أنني ضحكت... أمي المسكينة... كم أكره أن أرى دموعها... تريد أن تلبسني شيئا جميلا، تظن أن الناس سيلاحظونني وينسون كومة الحديد التي أجلس عليها بفستان جميل؟ بأي عالم مثالي تعيش أمي؟ ربما لو كنت عارية كانوا لاحظوني ونسوا الكرسي... عدا ذلك... لا اعتقد أن نجما سوى الكرسي سيخطف الأنظار... أفكر أحيانا بأختي ... أتساءل لو كنت طبيعية هل كنا سنكون أختين حقا؟ هل كنّا سنتشارك أحلامنا وأخبارنا ونكاتنا، هي تصغرني ببضع سنوات... وها هي عروس الآن... أتساءل عن ماذا تتحدث هي وخطيبها... ماذا يقول لها عندما يهاتفها لساعات طويلة ليل نهار؟ ترى كيف ستكون لياليهما مع بعضهما؟ ما وقع صوت الرجل في أذن امرأة تحبه أو وقع صوت المرأة في أذن من يحبها؟ أيرتجف هو أم هي؟ كيف يكون ملمس جسد الحب بينهما؟ أف، أستغفر الله العظيم... لماذا أفكر بهذه الأشياء؟ لو لم أكن "شيئا" سيئا لما فكرت بهذه الأمور... ربما لأنني سيئة حصل معي هذا... لابد أنني سيئة ولذلك انفجر اللغم فيَّ... لكن... لكنني أذكر أنني لم أكن قد تبللت بدمي بعد عندما سكنتي الشظية... ألسنا جميعنا أطفالا قبل بلوغنا؟ ألسنا طاهرين بلا ذنوب قبل بلوغنا... أوف... زهقت، ما ذنبي أنا إن كان بضعة أشخاص يظنون أن لهم حقا في القدس والخليل؟!

 

-"ماما... ماما"

-"نعم"

-"افتحوا لي الباب جيدا... أريد الخروج لمشاهدة التلفاز"

وهكذا انطلقت في طريقي، جلست مقابل التلفاز... أو أنني لم أجلس حيث أنني كمن دفن حيا في هذا الكرسي المتحرك، لقد تعلمت فيه لعبة الأرقام، اكتشفت أن كل شيء في هذه الحياة أرقام، الشجر والمطر والخير والشر والإنسان والحيوان، إنه كرسي من الأزرار والأرقام، كل رقم يحركه باتجاه... كما تتحرك الأقمشة في مسرح الدمى المتحركة... إنها مثلي... قطع قماش فارغة تموج فيها الحياة فجأة بفضل الحراك... يد أو أزرار أو أرقام، لا يهم... فنحن البشر أرقام، نولد أرقاما ونموت أرقاما... الغني فينا يصل بفضل أرقامه في البنك، ذو الجاه منّا يُعزز لأن أرقام... عدد عائلته كبير... وهكذا نحن، يموت منا واحد أو عشرة، الرقم هو الفارق، من يرفعك أو يخفضك... هل رأى أحدكم خبرا في النشرة عن شخص واحد؟ أحيانا... ليس دائما، الجماعات تسود... والأعداد تحكم الواحد، حتى الصفر إن وقف بجانب الواحد أصبح له قيمة أكبر، لكننا نخطئ أحيانا ونظن أن الصفر لاشيء، هذه حماقة... فالصفر ومادام موجودا فهو لا يمثل العدم، الفناء صفة الأشياء التي لا أهمية لها... لذلك يبقى البقاء للجماعات ويدها، يبقى البقاء للجماعات الإنسانية... تلك التي أعتبر نفسي خرجت منها منذ انضممت لهذا الكرسي الواحد.

 

  يأتي أبي كل يوم في المساء من غرفته حاملا فنجان القهوة أو كأس الشاي – عندما يعاني صداعا وهو كثير مؤخرا-، يجلس أمام التلفاز ويشاهد الأخبار... أصبح هذا روتينه اليومي منذ... منذ الأبد ربما! لا أعلم، فهو يفعل هذا منذ زمن طويل، حتى أمي لا تتذكر منذ متى، أشاهد نشرة الأخبار معه... يتكلم كثيرا ويحاول إخراجي من حفرة البؤس الكبيرة التي أقبع فيها... الغريب أنني أعلم أنني أقبع هناك منذ زمن لكنني لا أريد الخروج، أخاف إن خرجت أن أشعر بأنني عادية مثل باقي البشر... أخاف أن انظر فأرى الكثير من الناس حولي في الحفرة... وهكذا أفقد تميزي... فحتى المصائب تحل علينا وتميزنا وتمنحنا الشرف... لذلك أقرر أن أبقى هنا... في عالم من الأفكار والدوائر المغلقة من التحليلات... أحيانا أنسى في عاصفة أحاديثي من أنا... وأصبح الأخرى وهذا جميل... ففي الآخر نفعل ما لا نقدر و نقول ما نخشى أن نسمع و نرى ما نخبئ.

 

"ماما.. أريد دواء الالتهاب" جلوسي الطويل بلا حراك يفجّر التهابات غاضبة على جلدي، وكأن البكتيريا ترى جبالا من التراب الطري بلا مقاومة فتحفرها، أدهن الكريم الذي أوصى به الطبيب فيخف الاحمرار قليلا، لكنه لا يزول... وكأن الجسد يسامح ولا ينسى، كنت أكره هذه الأشياء التي على جسدي كثيرا لكنني الآن أعتاش معها، أصبحت جزءا مني اعتاده بصري... طبيبي الذي يتابع حالتي رجل واضح، قال لي منذ البداية أنني سأعاني الالتهابات... كنت انتقلت لرعايته الطبية عندما بدأت الجامعة، كنت أحب زياراتي للمستشفى، هناك كنت أجد مكاني الطبيعي... بين المرضى، كنت أكره الجامعة حيث الجميع مثلي وليسوا مثلي، فضلت أن أقضي معظم أوقاتي في المكتبة حيث يتجاهلها معظم الطلبة، كانوا مجموعة حمقى يركضون وراء التسلية والطعام والهرب من المحاضرات إلا من رحم ربي.

 

ما يزال أبي يشاهد التلفاز، يطلب منا بين الحين والآخر أن نصمت حتى يستمع جيدا، الأخبار برنامجه المفضل، الأخبار... إنها تذكرني بأنني أحيانا أنسى أمتي ووطني لأنغمس في همي، أكره أن أعتقد أنني جزء مسلوخ من جسد الوطن، أعتقد أنني لا أستطيع أن أفكر كأبي أو أخي أو حتى أمي... الموت، إنه الموت عندما يتحول الأفراد في الأخبار إلى أرقام وجثث، عندما يتحول النقاش إلى صراع والخيانة إلى وجهة نظر. يتحدثون عنّا كأننا دجاجات هائمة في حقل من الضياع، والحقيقة أنه في الهمّ لا يستطيع أحد أن يرى نفسه بعيون الآخر أو الآخرين... من هم مثلي من الناس يسمونهم أبطالا أو أحرارا أو... أو... لا يهم، فأنا الخبر في الأخبار... وشخص الخبر هو البطل.

 

الأسئلة مضنية أحيانا، إنها تنكب على الأماكن المغلقة في عقلي وتشوشها، أكاد أتخيل أنها سحابة تكبّل ذراعيّ وتلقيني في سراب المكان واللامكان، في عراء الممكن واللاممكن، أذكر ذلك اليوم عندما وجهت لي إحدى زميلاتي في الجامعة سؤالا بقي متشابكا مع روحي كما تتشابك خيوط الحرير وتتداخل في أثواب جدتي.

-"أتكرهينهم؟"

-"من هم؟"

-"الذين أفقدوك القدرة على الحركة بلغمهم"

-"إنه قضاء وقدر"

-"أعلم، كلنا نؤمن بالقضاء والقدر... لكن... ألا تفكرين أحيانا أنهم لو لم يزرعوا الألغام لما حصل هذا؟"

-"لا"

-"لا!"

 

كنت أرى في عينيها عجبا من كذبي؛ فهذا الشيء الوحيد الذي استطاعت استخراجه من كلماتي.

"تريدين الحقيقة! أنا لا أكره أحدا بقدر ما أنا غاضبة، لماذا أنا من بين كل الناس؟ أنا لم اختر يوما... يقول لي الكثيرون أنني ضحيت من أجل شيء كبير... أكبر مني... من أجل القدس والعروبة والشرف... لا أنكر أنني أحب الأرض التي كانت ومازالت مطهرة بروح الأنبياء... نعم؛ أحبها لكنني لم أختر يوما، لم أتهيأ، لم أختر أن أخسر حريتي... أن أخسر كل شيء جميل في حياتي، لم أختر أن أكون كالمسخ يرمقني الناس بنظرات غريبة في الشوارع والطرق، يقولون أنني ضحيت... أو ربما ضحيت... كذب، أنا لم أضح ِ، كما لم يضح أي منكم، تجلسون في بيوتكم، تذهبون إلى أشغالكم، لماذا علي أن أدفع الثمن؟ أنا أؤمن بقدري والحمد لله لكنني غاضبة، لماذا أضحي بينما آخرون لا يريدون أو أسوأ... لا يستطيعون؟ لا تعاملوني كبطلة، أنا لست ببطلة، أنا ضحية"، هذا ما أردت قوله لها لكنني كممت الحقيقة داخل قلبي ودفنتها، أرادت جوارحي الصراخ حتى لا يعود في هواء الأرض مكان للأبطال؛ حتى يأخذ الضحايا مكانهم على عرش الحق... أردت أن تحترق هذه الكلمة كما تحترق أوراق رسائل العاشقين بالشوق، أردتها أن تموت... لكنها لا تموت، فلا مكان في عالمنا؛ عالم الأبطال، عالم التضحيات والدموع والقضية، لا مكان فيه للموت... يموت الأشخاص لكن لا الأبطال... إننا المظلومون... والظلم هوية، إنه هويتنا... هويتنا لا تعرف حدودا... فوجودها قائم بذاته، يقرب بين المظلومين شعوبا وأمما...

 

"ماما... أعيدوني للغرفة"

ها أنا وقد عدت إلى غرفتي، أنظر فلا أرى سوى مستقبلا مجهولا، كنت تمنيت لو بقيت نكرة، يمر الناس بجانبي فلا يتذكرونني، يتكلمون معي فلا يذكرون اسمي، كنت تمنيت لو لم ألتصق بهذا الكرسي ليل نهار... كنت تمنيت لو نظرت إلى الأخبار يوما... وبكيت وطني عوضا عن نفسي.

 

- النهاية-

 

 

*د.راما صافي، طبيبة أسنان، تحب الكتابة، وتعتبرها جزء من هويتها، ولها مقالات منشورة في صحيفة القدس العربي/ لندن، وقصص قصيرة، بالإضافة للعديد من الكتابات حبيسة الأدراج لم تنشر بعد، كما قالت لـ"حياة جميلة" في رسالتها الإلكترونية.. وهذه القصة  فازت بالمركز الثاني في مسابقة الإبداع الشبابي لوزارة الثقافة الأردنية.. وهي قصة تتناول معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة، بطريقة عميقة تدرس جوانية النفس..

ونحن نرحب بكتاباتك دائما..

 

 

 

 

Comments

  1. Great story you have here .. Congrats for your big heart

Post your comments

Your email address will not be published. Required fields are marked *