بقلم : د. سعاد درير ..فينسنت : «يا رغبات انطفئي» !


بقلم : د. سعاد درير ..فينسنت : «يا رغبات انطفئي» !

ما أَرْوَعَه مِن إنسان ذاك الذي يُعلِنُ التمردَ والعصيان رغبةً في أن يَدْفَعَنَا إلى الغَوص في أعماق بحر القُبْح، قُبْح الغُموض الذي لا يُنكِرهُ بَصَرٌ، من أجل القبض على شيء مِن الجمال، جمال الوُضوح الذي لا تُكَذِّبُه بَصيرةٌ.
الحياةُ حَصيرةٌ، لا بَلْ لِنَقُلْ: الحياةُ حصيرةٌ وفطيرةٌ. أيّ حياةٍ هذه؟! إنها حياة البسطاء يا صديقي، هؤلاء البسطاء ليسوا سِوى المعذَّبين على الأرض، صَدِّق يا صديقي أنها الأرض التي لا تختلف كثيرا عن كوكب جهنم، فكلاهُما يُجبرك على الرحيل في العذاب دون أن يُخَيِّرَكَ متى تُقَرِّرُ الرحيلَ ولماذا تَرحَل أساسا.
عن حصيرة وفطيرة تَختزلان شَكْلَ الحياة وطَعْمَ الحياة ولَوْنَ الحياة يَطير إلينا صاحبُنا فينسنت فان كوخ VINCENT VAN GOGH عَبْرَ سَفَر في الزمن لِيُوَجِّهَ لنا دعوةً إلى عشاء أخير، لكن مَهْلاً، فلا تُمَنِّ نَفسَك بموعد مع خَروف، لماذا؟! لأن البطولةَ الْمُطْلَقةَ هنا للبطاطا.
فينسنت، المسكين الذي وَجَدْنَاه سابقا جاثما تحت شجرة القَلْب وهو يَمدُّ يديه ليَقطفَ شيئا من تُفاح الحُبّ الذي يَعود بنا إلى زمن حبيبته أو رسولا، ها هو يَزهد في التفاح الْمُعَلَّق ويُقَرِّرُ أن يَنزلَ إلى الأرض لِيَلْتَقِطَ شيئا من تفاح الأرض، نَتَحَدَّث عن البطاطا.
حياةُ الفلاح المسكين حصيرة وفطيرة يُصَوِّرُهما لنا فينسنت في صورة مَشهَد بائسٍ بِقُبْحِه يَحفل فيه «آكِلُو البطاطا» بسيدة الأرض التي لا تَخرج عن البطاطا، فحين يَركض بكَ العُمرُ ويَستبدُّ بك القَهرُ دَرِّبْ نَفْسَكَ على أن تَنْحَنِيَ لرياح القَدَر.
اِنْحَنِ، وانحَنِ أكثر فأكثر، اِزْهَدْ في تفاح الجَنَّة، واحلُمْ، احلُمْ قَدْرَ الإمكان بتفاح الأرض قبل أن يَزهَد فيكَ تفاح الأرض هو الآخَر.
«آكِلُو البطاطا» [LES MANGEURS DE PO

Comments

    No Comments

Post your comments

Your email address will not be published. Required fields are marked *