تيدي ستودارد (حينَ تكونُ المعلّماتُ أمّهاتٍ) عتبات الأمل- أمل المشايخ


تيدي ستودارد (حينَ تكونُ المعلّماتُ أمّهاتٍ) عتبات الأمل- أمل المشايخ

  تناقلَ عددٌ من المواقعِ الإلكترونيَّةِ قصَّةَ الطِّفلِ (تيدي ستودارد/Teddy Stoddard) ومعلِّمتِه السَّيدةِ (تومبسون)، سأعيدُ روايتَها هنا لمنْ لمْ يطَّلعْ عليها:

   السَّيدةُ (تمبسون) معلّمةُ الصَّفِّ الخامسِ كانت تزدري الطِّفلَ (تيدي) بسببِ أطوارِه الغريبةِ؛ إذْ كانَ منطويًا لا يشاركُ أقرانَه لعبَهم ونشاطَهم، وكانَ مستواه الدِّراسيُّ متدنِّيًا، إضافةً إلى اتِّساخِ ثيابِه، ورثاثةِ هندامِه، وكرائدةٍ لهذا الصَّفِّ عُهدَ إليها مراجعةُ السِّجلاتِ الدِّراسيَّةِ لكلِّ تلميذٍ، هالَها ما قرأتْ حينَ كانتْ بصددِ مراجعةِ ملفِّ الصَّغيرِ تيدي؛ إذ وجدت المعلوماتِ التَّاليةَ:

   في الصَّف الأوَّل: تيدي طفلٌ ذكيٌّ موهوبٌ، يؤدّي عملَه بعنايةٍ وبطريقةٍ منظَّمةٍ، وفي الصَّف الثّاني: تيدي تلميذٌ نجيبٌ، ومحبوبٌ لدى زملائِه، ولكنَّه منزعجٌ بسببِ إصابةِ والدتِه بمرضِ السَّرطانِ، وكانت الدَّهشةُ قويَّةً حينَ قرأتْ بياناتِ الصَّغيرِ في الصَّفِّ الثَّالثِ؛ إذْ كتبَ معلِّمُه أنَّ وفاةَ أمّه كانَ لها وقعٌ صعبٌ عليه، إضافةً إلى إهمالِ والدِه الذي لمْ يتَّخذْ إجراءاتٍ ليجنَّبَ ولدَه تداعياتِ الفقدِ، وما يجرُّه منْ حزنٍ وانطواءٍ، في الصَّف الرَّابع كتبَ معلّمه: تيدي تلميذٌ منطوٍ على نفسِه؛ لا يبدي الرَّغبةَ في الدِّراسةِ، وليسَ لديه أصدقاءُ، وينامُ أثناءَ الدَّرسِ.

   حينها شعرتْ السَّيدةُ (تومبسون) بالخجلِ منْ إهمالِها، وبدأتْ مرحلةً جديدةً في حياةِ المعلِّمةِ والصَّغيرِ في آن معًا، وأخذتْ على نفسِها عهدًا أنْ توليه اهتمامًا خاصًّا، حينَها فقط بدأَ الصَّغيرُ يستعيدُ نشاطَه، ولعبَه مع رفاقِ الدَّرسِ.

  في نهايةِ السَّنةِ نجحَ تيدي بتفوّقٍ، وجدت المعلّمةُ مذكّرةً عند بابِها منْ تيدي يقولُ فيها: إنَّها أفضلُ معلّمةٍ قابلَها في حياتِه، لتخبرَه بدورِها إنَّه منْ علّمَها كيفَ تكونُ معلّمةً.

   تخرّجَ تيدي من المدرسةِ الثّانويةِ، وتوالت الرَّسائلُ بين المعلّمةِ وتلميذِها، ثمَّ انقطعتْ بضعَ سنين؛ لتتلقّى المعلّمةُ رسالةً منْ تلميذِها يقولُ فيها: إنَّه تخرَّج بتفوُّقٍ منْ كليّة الطِّبِّ، وأنّه وجدَ فتاتَه التي اختارَها قلبُه لتكونَ شريكةَ حياتِه، ويريدُ منها أنْ تقفَ إلى جانبِه في المكانِ ذاتِه الذي تقفُ فيه الأمُّ يومَ زِفافِ ولدِها.

    حضرت السَّيدةُ (تومبسون) حفلَ الزِّفافِ، احتضنَ التّلميذُ معلِّمتَه، لعلّه كانَ يشمُّ عطرَ أمِّه حينَ همسَ لها بكلماتِ شكرٍ ليسَ بوسعِها أنْ تلخّصَ نجاحاتِ السّنينِ وعذاباتِها.

    بقيَ أنْ أقولَ إنَّ ثيودور(تيدي) ستودارد هو أشهرُ طبيبِ أورامٍ في العالمِ، ومالكُ مركزِ (ستودارد) لعلاجِ السَّرطانِ في ولايةِ أيوا في الولاياتِ المتّحدّةِ الأميركيّةِ.

   انتهت القصَّةُ إلى هنا، والقصَّةُ وإنْ كانتْ تحملُ حكايةً صيغتْ بروحٍ (رومانسيَّةٍ حالمةٍ) إلّا أنّنا ينبغي أنْ نعترفَ أنّه ليسَ كلُّ يتيمٍ يجدُ الرِّعايةَ المناسبةَ، وليسَ كلُّ فاشلٍ يغدو ناجحًا – وإنْ حاولنا – ذلكَ ليسَ طبعَ الأيامِ، لكنَّ القصَّةَ وإنْ كانتْ تتناولُ قصَّةَ تلميذٍ فردٍ، إلّا أنّها تتركُ قضايا كبارًا تقلقنا - آباءً وأمهاتٍ ومربين.

   ثمّةَ تلميذٌ ذكيّ، ولا مكانَ لمصطلحِ أو وصفِ (غبيّ) في عالم التّربيةِ، ولكنْ ثمَّةَ تلميذٌ تراجع أداؤه، فما هي خِططُ المدارسِ - والجامعاتِ أيضًا- لإصلاحِ أحوالِ التَّلاميذِ في صحّتِهم ومرضِهم، وفي تفوّقِهم وحينَ يتراجعُ أداؤُهم؟

   وإذا كانتْ كلُّ نتيجةٍ صحيحةٍ يلزمُها مقدِّمتان صحيحتان على الأقلِّ حتّى تثبتَ؛ فهلْ بوسعِنا القولُ: إنَّ المعلماتِ حينَ يكنَّ أمهاتٍ يغدو التّلاميذُ ناجحين؛ إذْ يصلون حدًّا من الارتواءِ العاطفيِّ يكفيهم مؤونةَ الأيامِ، وقسوةِ الدَّرسِ؟ .... ربّما

هلْ بوسعِ المدرسةِ أنْ تنوبَ عنْ دورِ البيتِ حينَ يغيبُ دورُ الوالديْن - أحدِهما أو كليهما – أو حينَ يقصِّر الوالدان – أحدُهما أو كلاهما – أيضًا ربّما.

 لكنْ دعوني أعكسُ المعادلةَ: هلْ تراجعُ دورِ المدرسةِ هو تراجعٌ لدورِ التَّلاميذِ بالضَّرورةِ؟ تبدو المعادلةُ صحيحةً تمامًا هنا، إلّا أنَّ ذلكَ لا يمنعُنا من القولِ: إنَّ الدَّورين – المدرسةَ والبيتَ معًا – متكاملان كتكاملِ دوريْ الشَّمسِ والقمرِ؛ ففي المدرسةِ – والجامعةِ أيضًا – بحثٌ ودرسٌ يبدو أنَّهما غابا نتيجةً لاستراتيجياتٍ في التَّعليمِ ضلَّتْ طريقَها، وإنَّ غيابَ دورِ البيتِ خلّفَ قحطًا عاطفيًّا لدى الصِّغارِ لم يجدوا وسائلَ للتَّعبيرِ عنه سوى الارتماءِ في أحضانِ التَّدخينِ ثمَّ المخدّراتِ والجريمةِ والعنفِ الذي أصبحنا نشهدُه بقوَّةٍ في مدارسِنا وجامعاتِنا، وللعنفِ في المدارسِ والجامعاتِ حديثٌ آخرُ...

 

 

Comments

    No Comments

Post your comments

Your email address will not be published. Required fields are marked *